الرئيسية / مقالات تربوية / التحفيظ والتفكير وأولويات العصر الحديث د.عبدالقوي القدسي
التحفيظ والتفكير

التحفيظ والتفكير وأولويات العصر الحديث د.عبدالقوي القدسي

التحفيظ والتفكير
    د.عبدالقوي القدسي

تتعدد الآراء، وتتباين وجهات النظر حول جدوى التحفيظ والتلقين في العصر الحديث، إنني أشعر -أحياناً- عندما أطرق هذا الموضوع كأنني ألامس ألغاماً شديدة الانفجار .

أتريد أن ينصرف الناس عن حفظ القرآن، والسنة ؟!! هل تسعى إلى التهوين من شأن الحفظ لكتب الفقه والتاريخ، وعلوم اللغة والأدب؟!! لماذا تُقلل من شأن الحفاظ، والعلماء ؟!!! هذه الأسئلة، وغيرها يواجهها من يتحدث عن جدوى التحفيظ في عصرنا الحديث .

قد تكون هناك ضرورة اقتضتها الفترة الزمنية التي احتل الحفظ فيها المرتبة الأولى في سُلّم أولويات المجتمع، ولكن تغيير الأولويات أيضاً سنة كونية ومرتبطة بحركة التغيير المستمرة والشاملة.

لم يكن ثمة من يكتب أو يوثق للتراث، ولم يكن الإنسان -بعد- قد ابتكر وسائل دقيقة للحفظ، فلا بدَّ إذاً، والحال هذا، أن يتربع الحفظ على عرش الأولويات، وأن ينال الحُفاظ منزلة رفيعة في المجتمع. فهل يومُنا كأمْسنا، سواء بسواء ؟!!

يقع الحفظ أو التذكر في أدنى سُلّم المعرفة بحسب تصنيف عالم التربية بلوم ، بينما يقع (التقويم) في أعلى الّسلم، لماذا؟!! وهل تغيَّر شيء حتى يحدث مثل هذا الانقلاب – إن صح لنا التعبير- في ترتيب الأولويات؟!!

ثورة التكنولوجيا اليوم هي نتاج تفكيرِ إبداعي، ومن الطبيعي أن ينال التفكير فيه منزلة رفيعة، وعليه فقد توجهت الدول المتحضرة إلى تصميم مناهجها، والتركيز على قيم التفكير العليا لأبنائها.

لا تزال مناهجنا التعليمية عقيمة عن مواكبة التطور، وثقافتنا المعتمدة على التلقين والحفظ هي المهيمنة على مختلف انشطة الحياة، ولا يزال الكثيرون يتحذلقون بما يحفظون من كتب التراث وقصائد امرؤ القيس، وعنترة بن شداد.

أُشْفق على أبنائنا عندما أراهم يحملون على ظهورهم حقائب مكتظة بالكتب، وتزداد شفقتي عليهم أيام الاختبارات حيث يلزمهم حفظ محتوى تلك الكتب، وأعتقد بان الكثير منكم يشاطرني نفس تلك المعاني.

ألم يبتكر العقل البشري وسائل تحفظ ملايين المعلومات بدقة عالية، ويمكن استرجاعها في أي لحظة، ومن أي مكان على وجه الأرض؟!!! فلماذا نظل أُسارَى لوسائل بدائية اندثرت باندثار أصحابها ؟!!!!

لو افترضنا أن أبناءنا حفظوا كل المتون القديمة، واستظهروا علوم الحديث والفقه وتاريخ أمة الإسلام بمختلف الروايات ، وحفظوا القرآن بكل القراءات ،الصحيحة منها والشاذة ، ولم يَدعوا شيئاً من الشعر أو النثر إلا حفظوه، فما الذي سيتغير في الواقع؟!!! وما الذي سيضيفه هؤلاء الحفاظ المتقنون إلى الحياة؟ وما مقدار استفادة البشرية من مجموعة نُسخ مُحَدّثة تضاف إلى مكتبات التراث والمتاحف العتيقة؟!!!

سيحاول البعض – كعادتهم- الاصطياد في الماء العكر، ويرفع صوته عالياً ليدغدغ مشاعر البسطاء، قائلاً: أنت تُقلل من أهمية القرآن، ولا تريد لأبنائنا حفظ سنة نبينا … رويداً، فإعادة النظر في سُلَّم الاولويات هو ما ننادي به، ولا ننادي بإهمال حفظ القرآن أو كتب التراث .

حفظُ القرآن بالنسبة لنا كمسلمين أمر في غاية الأهمية، وكل أمة لها كتابها المقدس، وحفظه في نظرها أمر في غاية الأهمية أيضاً، ولكن للبشرية احتياجات واسعة لا تتحقق بمجرد ترتيل آيات القرآن، أو الترنم بالإنجيل والتوراة.

الحفظ مهارة لا يمكن إغفالها أو التقليل من شأنها، ولها وظائف أصيلة في الثقافة البشرية، ولكننا نتحدث عن وسائل الحفظ المتغيرة التي شهدت تطوراً هائلاً عبر التاريخ، والذاكرة الإنسانية كانت إحدى أهم وسائل الحفظ، وأما اليوم فقد أَغْنت وسائل الحفظ الحديثة عن الاعتماد على الذاكرة، وأفسحت المجال لجوانب التفكير المختلفة لأخذ زمام المبادرة لقيادة الحضارة الإنسانية المعاصرة.

ما أحوجنا إلى تعديل مناهجنا التعليمية بما يتوافق مع لغة العصر اليوم، وإفساح المجال للعقل ليأخذ دوره الريادي وإطلاق قدرات أبنائنا في مجالات التفكير المختلفة؟!!

لسنا -من وجهة نظري-بحاجة إلى الكَمّ الكبير من المعرفة النظرية المبثوثة في تضاعيف محتوى الكتب الدراسية، إننا بحاجة ماسة إلى المعرفة التطبيقية العملية التي تؤهل أبناءنا ليعيشوا عصرهم بكل تفاصيله، وإلى أن يكونوا مؤثرين فاعلين فيه .

http://yecm.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *