الرئيسية / مقالات تربوية / المظاهر الخداعة د.عبدالقوي القدسي
المظاهر الخداعة

المظاهر الخداعة د.عبدالقوي القدسي

المظاهر الخداعة
د. عبدالقوي القدسي

لطالما تأملت في هذا الأمر وأحببت أن أشارك القراء الكرام بعض الأفكار المرتبطة به، ولطالما تألمت لوجود ضحايا كُثر لـ (المظاهر الخداعة).

بكل تأكيد ليست المشكلة في المنظر الجميل، وإنما تكون المشكلة عندما تنخدع به عن الحقيقة.

إن أعيننا في الغالب تقع على صور تم تجميلها، وقد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة.

من يعرف هذا؟!
أجاب أحد الحاضرين: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين ، فسأله الفاروق عمر- كما في الرواية- :
لعلّكَ جاره، فالجارُ أعلمُ النّاس بأخلاقِ جيرانه؟ فقال الرّجلُ: لا، فقال عمر: لعلّكَ صاحبْته في سَفرٍ، فالأسفار مكشفة للطباع؟ فقال الرّجلُ: لا، فقال عمر: لعلّكَ تاجرتَ معه، فعاملته بالدّرهمِ والدّينارِ، فالدّرهمُ والدّينار يكشفان معادن الرّجال؟ فقال الرّجلُ: لا، فقال عمر: لعلّك رأيته في المسجدِ يهزُّ رأسَه قائمًا وقاعدًا؟ فقال الرّجلُ: أجل، فقال عمر: اجلسْ، فإنّكَ لا تعرفه.

“اجلس فإنك لا تعرفه ” لا تعرف حقيقته، أما مظهره فلديك العلم به، ولكن المظهر وحده لا يكفي، وبالذات ونحن في عصر التكنولوجيا الذي أحال كل خيال إلى ما يشبه الحقيقة، وفاق في خداعه أمهر السحرة في العصور القديمة.

” الكتاب يُعرف من عنوانه” هل هذه العبارة دقيقة؟ أم أن العبارة الأدق هي: “لا تحكم على الكتاب من عنوانه” ؟
في تصوري، ليس من الإنصاف القول أن إحدى العبارتين تتضمن الحقيقة المطلقة !!! والأهم هو التمعن، وعدم الانخداع بمجرد المظهر، وما ينطبق على العبارة السابقة ينطبق على العبارة الإنجليزية :
” First impression is the last impression”
والتي تعني بأن
الانطباع الأول عن الشخص هو الانطباع الأخير .

كم من جمال يخفي وراءه عمليات تجميل؟! إلى درجة أن الفتاة نفسها تُخدع فتستبدل الحقيقة بالمظهر، ولقد أخبرني أحدهم يوماً فقال: قابلت امرأة بنية النظر إليها قبل خطبتها، كانت متحمسة وهي تعرض عليّ صورها الواحدة تلو الأخرى لتقنعني بجمالها الذي لا أراه أمامي، قلت في نفسي: هل يمكن أن أصدق تلك الصور وأمامي الأصل ماثلاً؟!! الحقيقة قد تكون مُؤلمة، لكنها في الأخير حقيقة!!! يبدو بأن المسكينة قد خُدعت حقاً وتتعمد خداعي !!!

أُثِرَ عن النبي محمد(ﷺ) قوله : ” سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدق فيها الكاذب ويُكذّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخَوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافِه يتحدث في أمر العامّة”

لنقف برهةً؛ نتدبر هذه الآية معاً :
«وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ» !!!!

دخلت مع أحد أصدقائي يوماً محلاً يقدم أنواعاً من القهوة الفاخرة، فاجأني صديقي بقوله : تلك القهوة الفاخرة، غالية الثمن، تُصنع من بُراز القطط، كانت – على الأقل بالنسبة لي- معلومة صادمة !!!!

لا يغرنك ملمسها الناعم، فالحيّة تُخفي في أحشائها سُماً قاتلاً .

شبكات التواصل الاجتماعي أسهمت في دمار الكثير من الأسر، ولطالما انخدع رجال بنساء يخفين قبحهن وراء مكياج زائف، ولطالما وقع الكثير من الفتية والفتيات ضحية للحب الأفلاطوني والرومانسية المستوحاة من عدد من الأفلام والمسلسلات المحلية أو الأجنبية الخداعة !!!!

مجرد النظرة لا تكفي للحكم على حقيقة الأشياء، والتعامل بالظاهر لا يعني أبدًا الثقة به أو الركون إليه، وما أبلغ قول الله تعالى: «وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ»؟!![الأعراف:١٩٨]نعم ، إنهم ينظرون بأعينهم، لكن قلوبهم غير مبصرة؛ ولذلك فقد عميت عن الاهتداء إلى الحقيقة .

الثلاثاء ١٥ أكتوبر ٢٠١٩