الرئيسية / مقالات تربوية / بين التنظير القولي والتطبيق العملي د.عبدالقوي القدسي
د.عبدالقوي القدسي

بين التنظير القولي والتطبيق العملي د.عبدالقوي القدسي

التأمل والنظرة العميقة مقدمات لنظريات وتصورات ورؤى في مجالات الحياة المختلفة: المادية منها والإنسانية، وكل تلك النظريات لا معنى لها إن كانت منعزلة عن الواقع، أو لم تكن قابلة للتطبيق في واقع الحياة .

التنظير شيء والواقع شيء آخر، والتخطيط شيء والتنفيذ شيء آخر، هل هذه العبارات صادقة؟! وهل هناك- فعلاً- فجوة كبيرة بين التنظير والواقع في واقعنا المعاصر ؟!!

ما أيسر أن ننتقد غيرنا؟! وما أصعب أن نقبل الانتقاد من غيرنا؟!!

عندما نكون في المعارضة فإننا نتحدث بصوت مرتفع عن اختلال النظام، وانتشار الفساد، وعبثية الحكام، فإذا صار المعارض حاكماً نسي كل شيء وزاد العبث واتسعت رقعة الفساد.

يسحرك الخطيب بفصاحته، وحافظ القرآن بصوته، والواعظ بخواطره ، فإذا دخل هؤلاء معترك الواقع، فمارسوا السياسة أو البيع والشراء، ودخلوا في خصومات فقليل منهم من يثبت، ولا يميز الله الخبيث من الطيب إلا عند اشتداد الخطوب، أو بريق الدنانير ، وكم قرأنا من آيات تستهجن قوماً يبيعون آخرتهم بدنياهم، ويصدون عن سبيل الله وهم يحملون صفة الأحبار والرهبان، وينسلخون عن آيات الله؛ طلباً لدنيا أو اتباع لهوى، ولو لم يكن ذلك مذكوراً في القرآن لظننا بأنه ضرب من الخيال؟!!

يفقد التنظير بريقه ويُفرّغ من محتواه إذا لم يُترجم إلى واقع حياة، فما فائدة مخطَّط يضعه مهندس لأبراج عملاقة إذا لم يتحول ما رسمه في الورق إلى أبراج على الأرض؟!!!

الانعزال عن الناس والاعتكاف للعبادة والاكتفاء بالتنظير لا ينهي ظلماً اجتماعياً، ولا يبني حضارة للإنسان، وقد يصيب صاحبه بغرور الطاعة، وقد ينال بسبب ذلك من الدنيا ما لم يخطر له على بال ، فهؤلاء في نظر الناس ملائكة تمشي على الأرض، وجدير بهم إن خطبوا أن يُزوجوا، وإن طلبوا أن تجاب طلباتهم !! فإذا اختلط هؤلاء بعوام الناس، واقتربوا من البسطاء عرفوا حقيقة الأمر ولربما سقط بعضهم عند أول اختبار.

الديمقراطية شيء جميل، وللتبشير بها تُعقد الندوات، وتقام المحاضرات، ويتغنى بها الفنانون والفنانات، فإن أفرزت إلى موقع القرار من لا نرغب بهم تحولت تلك الديمقراطية في نظر النخبة إلى شر محض، وتحول الشعب – صاحب السلطة- إلى مجرد غوغاء، وقاصر، لا يُحسن منح السلطة .

التنظير الذكي هو القابل للتطبيق، وما نجحت الأمم إلا عندما أتْبَعوا القول بالعمل، وعاشوا واقعهم بكل تفصيلاته، وسَبَروا أغواره، وعالجوا مشكلاته، وفشلت أمم لأنهم اكتفوا بالقول عن العمل ، وصدق الله القائل :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)[الصف:٢].

الإنجازات هي اللسان لمن أراد فصاحة ، وهي السلاح لمن أراد نزالاً، وقد قيل في المثل الإنجليزي:
Actions speak louder than words.

الأحد ٦ أكتوبر ٢٠١٩

لمزيد من المقالات زر موقعنا