الرئيسية / مقالات تربوية / معوقات التفكير الناقد د.عبدالقوي القدسي
معوقات التفكير الناقد

معوقات التفكير الناقد د.عبدالقوي القدسي

معوقات التفكير الناقد
      د.عبدالقوي القدسي

حديثنا عن التفكير الناقد يأتي في سياق الإسهام في إعادة صياغة وعي الجيل؛ لتمكينه من أدوات التعامل مع واقعه، ورسم معالم مستقبله بكفاءة واقتدار.

هناك فرق بين النقد والانتقاد ، فـ”النقد” يأتي في سياق منهجي علمي، ويهدف إلى محاورة أي فكرة وتقييمها، وفقاً لمعايير علمية، وليس بالضرورة أن يقوم الناقد بهدم كل فكرة ينقدها، بينما “الانتقاد” هو النظرة السلبية لكل فكرة أو رأي، مع إعجاب المنتقد برأيه واعتقاد صوابيته دوماً.

الحياة مليئة بشخصيات فقدت الجمال في نفسها فأفقدها ذلك النظرة الجميلة لكل شيء، وقد أحسن أبو ماضي حيث قال: والذي نفسه بغير جمال …لا يرى في الحياة شيئاً جميلاً.

التفكير الناقد أسلوب بِنَاءٍ وتطوير، وتحسينٍ وإبداع، ومهما كان الرأي على درجة من الحصافة والنضج، فهو -حتماً- بحاجة إلى نقد؛ لبيان جوانب الخلل والعيب فيه، فالناقد بصير كما يقال.

هناك معوقات تُعد بمثابة الكوابح للتفكير الناقد ، وتلك العوائق من شأنها صرف الأمر من “النقد” إلى “الانتقاد” ومن البِناء إلى الهدم، ومن المحاورة إلى المعارضة، ومن المجادلة إلى الّلجاجة.

تشير الدكتورة إسهام النويهي في كتابها “التفكير الناقد” إلى تسع معوقات للتفكير الناقد، وهي : التمحور حول الذات – التفكير بالتمني وخداع النفس- الإيحاء والتوافق وتقدير الخبراء وذوي السلطة -الكسل والكبرياء- التمحور حول الجماعة- الجهل- الانحياز- التفكير بـ إما…أو …. – الإخفاق في إجراء التمييز.

” التحيز” على سبيل المثال، والذي يعني انحياز الناقد، وتعصّبه لرأيه، أو للمألوف من أفكاره، أو انحيازه لفئته وحزبه، أو لذاته، وذوقه، وما يحب، كل ذلك يفقد الناقد الحياد عند محاورته للفكرة المخالفة لذلك الانحياز.

كل ما صدر عن الخصم فهو باطل، هذا هو منطق المتحيز، ولو دقّق النظر في فكرة الآخر، وعرضها على العقل، والمنطق لوجد فيها الحق.

ينحاز الشخص إلى ذاته، فالناجح يشمخ برأسه عالياً، وينسب كل نجاح لجهده، فإذا أخفق فإنه ينسب الفشل لأسباب أخرى.
عادة ما يصب الطلاب جام غضبهم على المعلمين ويعزون سبب فشلهم إلى صعوبة الاختبارات، ودخول أسئلة من خارج الكتاب، وهكذا، فلا يقبل البعض أن ينقد ذاته ناهيك من أن يرجع عن رأيه.

سيكون من غير المقبول وصف شخص بالمفكر الناقد ما لم يقبل النقد ويتعامل معه بطريقة منهجية -تماماً- كما ينقد غيره، فالتحكم المعزز للذات خطأ يجب على الناقد تجاوزه، بل ومواجهته.

كيف يمكن مواجهة خطأ التحكم المعزز للذات ؟ يسأل رولف دوبلي في كتابه فن التفكير الواضح، فيجيب عن السؤال : هل لك أصدقاء يقولون لك الحقيقة بلا تجميل؟ إن كانت الإجابة نعم، فدعهم يقيّمونك. إن كانت الإجابة لا، فهل لك عدوٌّ واحد على الأقل؟حسناً، اضغط إذاً على نفسك وادعه ليتناول القهوة معك، واطلب منه أن يقول رأيه فيك بلا تحفُّظ. ستظلُّ ممتناً له طول العمر.

نحن بحاجة ماسة إلى الكثير من التدريب؛ لتجاوز معوقات التفكير الناقد، وأفضل مكان، ومرجع للتدريب هو الواقع العملي، فالحياة خير مدرسة، ودروسها خير الدروس على الإطلاق، والحياة -حتماً- لا تهب دروساً مجانية.

الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩