السكينة الروحية د.عبدالقوي القدسي

السكينة الروحية

السكينة الروحية
   د.عبدالقوي القدسي

الإنسان مزيج من مادة، وروح، وللروح -كما للجسد ذبول، ومرض، وموت ، وما الجسد سوى إهاب للروح ، فإذا صعدت الروح إلى بارئها أصبح ذاك الإهاب عِبئاً، وجيفة يؤذي الأحياء، ويعكر صفو الحياة .

غاية ما تسعى له الحضارة المادية اليوم هو إسعاد الإنسان، ولن تصل إلى تلك الغاية إلا عندما تتعامل معه كروح، وجسد.

السكينة -في ابسط معانيها- هي الطمأنينة، والطمأنينة لمزتكن يوماً نتاج ثروة مالية، أو قوة عضلية، وليست محصلة ذكاء أو عبقرية.
السكينة مادة الروح التي لا يعرف كُنهها إلا الذي خلقها، وقد قال:”وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”[سورة الإسراء: 85]

السكينة ليست أقراصاً يصرفها الأطباء لمرضاهم، كما أنها ليست فرماناً يصدره الحاكم لمن يشاء من رعيته، أو منتجاً نفيساً يحوزه أصحاب المال دون غيرهم، إن السكينة شيء آخر-تماماً- إنها منتج روحي بامتياز .

المال، والمنصب، وكل رفاهيات المادة قد تجلب للإنسان السرور، والنشوة ، ولكنها لا تجلب له السعادة، والسكينة، ولذلك فإن الإغراق في عالم المادة، والنكران للروح سبب للمعيشة الضنكا، وضيق الحياة، ولقد أدرك فلاسفة الأمم المتمدنة بأن تزايد حالات الموت نتيجة القلق، وقحط الروح مقلقة، ولقد أشار ديل كارنيجي إلى ذلك في كتابه :” دع القلق، وابدأ الحياة “، والقلق هو أحد أهم أسباب خواء الروح، وهو اضطراب، وعدم استقرار على النقيض من السكينة.

دين الإسلام هو اللَّبنة التي اكتملت بها أديان السماء، وهو -بتعليماته المتوازنة- للعالمين رحمة، فقد اهتم بالجسد، وأمر بالتداوي من الأمراض، وبالأخذ بالأسباب، والضرب في الأرض، وتحقيق الحياة الكريمة، والرفاه، وفي المقابل أمر بالصوم، والصلاة، والذكر وقراءة القرآن، وشرع العبادات، ورغب في النوافل وسائر الطاعات.

إنها “سكينة الروح” التي تكون برداً وسلاماً على أولئكم الذين يقفون بين يدي الله راكعين وساجدين، “سكينة الروح” هي طمأنينة القلب الحاضرة بذكر الله القائل:” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ..”.

قسوة الحياة وعنفوان المادة لا تكبح جماحها سوى ” سكينة الروح” إذ بتلك السكينة يهدأ روع الإنسان وتستقيم حياته، ويرضى، بنصيبه، ويضاعف عمله وجُهده بنظام، غير مضطر للركض في الدنيا ركض الوحوش في البراري .

“سكينة الروح” هي التي أمدت النبي محمد(ﷺ) بالثبات في الغار، وقد وضع الأعداء أقدامهم على عتبات بابه، وهي ذاتها التي أمدت موسى عليه السلام بالثقة، وقد أصبح محاصَراً من بين يديه ومن خلفه، فانطلق لسانه:” كلا إن معي ربي سيهدين”، والسكينة هي ذاتها التي تجعل من المؤمن جبلاً شامخاً لا يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا قليل.

“السكينة الروحية” هي التي تمد المجتمع بالأصحاء ، وتدفع المجتمع نحو البناء ، وتؤلف بين القلوب، وتربط الأرض بالسماء، وتنشئ جيلاً متوازناً .

“السكينة الروحية” هي عنوان العمل الجاد ، وحب الآخرين، والاستقرار النفسي، والنجاح الأسري.

العزلة عن المجتمع شعورية، كانت أو عملية أو هما معاً تصبح نوعاً من الرهبانية المُبتدعة،وصورة شائهة لا تُعبّر عن جمال الدين، وصفاء الروح، بل قد تقود إلى الشعور الخادع بالسمو فوق الأنام، والاعتقاد ببلوغ درجة اليقين والكمال .

ما أجمل تلك اللحظات التي يقف المؤمن فيها مناجياً ربه، تالياً للقرآن معترفاً بذنبه ، تائباً أواباً؟!! منطلقاً بكل جد ونشاط في عمله وأمور دنياه، فالسكينة الروحية هي سر الحركة المتزنة في الحياة، وهي التي تسأل ربها في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، فتجمع بذلك بين الحُسنَيين.

السبت (٢٣) نوفمبر ٢٠١٨

اضغط هنا لقراءة المزيد من المقالات