التربية بالقيم د.عبدالقوي القدسي

د. عبدالقوي القدسي

 

القيم هي عنوان البلدان، وتأثيرها يتجاوز الحدود والاوطان، وهي مؤشرات حقيقية تعكس ما يؤمن به الأفراد وترجمة عملية للثقافة المجتمعية السائدة .

لا يكون لمعتقدات الأمم ولا لنظريات مفكريها أي معنى ما لم تتحول من الوجدان إلى الممارسة السلوكية، ومن التنظير إلى العمل، وليس لأي قانون جميل أو دستور عادل أي قيمة ما لم يتجسد في واقع الحياة.

لا يرتفع شأن الأفراد والأمم بما يحملونه من أفكار أو تراث، بل بما يمارسونه من اخلاق، وقيم، فنحن اليوم كمسلمين نمتلك رصيداً قيمياً هائلاً، فالقرآن يزخر بعشرات الآيات التي تحث على القيم والأخلاق، وارتبطت العبادات في الإسلام بالأخلاق، وأقرب الناس إلى الله وأعلاهم مكانة في منهج الإسلام هو أكرمهم أخلاقاً، ومع امتلاكنا لهذا الرصيد القيمي إلا أن الكثير منا اليوم يحسن التنظير، ولا يحسن العمل، ويتغنى بالماضي ولا يكترث للحاضر، ويردد القول: كان أبي بدلاً من قوله:”هأنذا” .

يتداول الناس قصة حدثت في “جِبلة” وهي مدينة يمنية صغيرة، ومفادها بأن امرأة متسوِّلة ظلت يومها تتكفف الناس دون فائدة حتى مرّ عليها رجل فأعطاها مبلغاً كبيراً لم تكن تتوقعه فدعت له بالجنة، فقيل لها بأنه نصراني وليس مسلماً، وكان يعمل في مستشفى هناك ، فالتفتت، وقالت ببراءة : “الله يجعلكم كلكم نصارى” .

يجوب الكثير من الناس البلدان بحثاً عن العدل، ويترك الناس أوطانهم بحثاً عن الأمان والاطمئنان، ويتوق الناس إلى المساواة والحرية، وهذه القيم وغيرها هي من تحدد قدر الأمم ومكانتها .

نحن اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة القيم، وإعلان النفير العام على مستوى مناهجنا ومدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا لترسيخ القيم، فالإخلاص- مثلاً- كقيمة يجب أن يتمثل بها الآباء والمعلمون، والمسئولون، و”الصدق” يجب أن يتحول إلى سلوك في البيع والشراء، والأقوال والأفعال، و”العدل” يجب أن يتمثل به الحاكم، والمحكوم على السواء ، وهكذا .

أصبح العالم اليوم كقرية واحدة، ينتقل فيها الفرد دون اعتبار للحدود ولا للعقيدة أو الجنس والجنسية، وهذه قيمة إنسانية كبيرة، وللإنسان في الدول المحترمة الحق في العمل والحياة، وله ما لغيره من حقوق وعدالة، ومساواة.

لا تزال فئات من المسلمين تعيش فترات الصراع، وتستدعي معارك الماضي، وتعلي من شأن مظاهر العبادات على حساب جوهرها ومقاصدها، وهذا يسبب اختلالاً في الميزان، وتمارس هذه الفئات أبشع أنواع السلوك الذي ينتهك ابسط حقوق الإنسان، ويهدد الدين، والنفس والمال والعقل والعِرض وغيرها من مقاصد الحياة، والمشكلة الكبرى أن يمارس البعض تلك الانتهاكات باسم الإسلام .

طريقة التحية والسلام قيمة، واحترام إشارات المرور، وعدم رمي المخلفات في الطريق، وبر الوالدين، واحترام الكبير، وإكرام المرأة، واحترام القانون، كلها قيم لا يمكن أن يكون لها حضور في واقع الحياة ما لم تتبناها مؤسسات المجتمع وتتضمنها مناهج التعليم، وتصبح جزءًا من ثقافة المجتمع.

عندما حرصنا على حشو مناهجنا بالمعارف بدلاً من التركيز على القيم كانت المخرجات جيلاً يحفظ أسماء القيم ولا علاقة له بتطبيقها، والواقع خير شاهد، فالرشوة والغش والخداع، واستباحة الدماء وقطع الطرقات وترويع الآمنين وانتهاك حقوق المرأة والإنسان لها في واقعنا حضور رغم ما نحفظه من عشرات الأحاديث والآيات التي تنظر إلى تلك الممارسات بأنها حرام وتخالف منهج الدين، فأين المشكلة؟ وأين يكمن الخلل ؟!!

نستطيع أن نحكم على المجتمع من خلال منظومة القيم التي يتمثل بها الأفراد، ولن نستطيع أن نقنع أحداً بعظمة ما نملك من قيم دون تحويل تلك القيم إلى سلوك وممارسة وعمل .

لعله من الأهمية بمكان أن تركز مناهجنا، وبالذات المتعلقة بالتربية الإسلامية، على القيم، وأن تُبنى على أساس منهجي علمي وعملي ، فالمناهج في مرحلة التعليم العام ليست معنية بتخريج علماء بقدر ما هي معنية بإعداد الإنسان الصالح، وتهيئة أرضية مشتركة تعكس قيم المجتمع وتوجهاته وأفكاره.

اضغط هنا لقراءة المزيد من المقالات