التربية القيادية د. عبدالقوي القدسي

د . عبدالقوي القدسي
د. عبدالقوي القدسي

يتحدث التربويون كثيراً عن ( الفروق الفردية) بين التلاميذ، وبالفعل فإن معرفة المعلم الدقيقة بتلاميذه وميولهم وقدراتهم يجعله قادراً على تنفيذ دروسه بشكل أفضل، والأهم من ذلك هو قدرته على اكتشاف أنماط تلاميذه وميولهم العلمية، والقيادية .

“كلٌّ مُيسر لما خلق له” ، هذه العبارة النبوية دقيقة يترجمها الواقع الحياتي المعاش، فليس كل الناس قالباً واحداً، وقد قيل : ” لو تساوى اثنان في كل شيء لما كنا بحاجة إلى أحدهما”، والتنوع في المواهب والقدرات والفروق بين الناس أمر يتناسب مع طبيعة المهمة التي أُعد لها الإنسان .

“القيادة” واحدة من أهم المهارات المؤثرة في الحياة، وبطبيعة الحال فإن عدداً محدوداً يتمتعون باستعدادات قيادية ، ولربما ٢٪ من البشر -فقط-هم الذين يديرون دفة الحياة، ومؤهلون لإحداث التغيير سواء كان ذلك التغيير نحو الأحسن أو الأسوأ .

اكتشاف المواهب القيادية لا يقل أهمية عن اكتشاف المعادن النفيسة، بل إن قائداً واحداً فذاً يغني عن مئات آبار النفط وكنوز الذهب والفضة، والتاريخ يشهد لرجال عظماء ونساء صنعوا لأممهم مجداً يتجاوز الزمان والمكان، وفي المقابل شهدت البشرية نماذج قيادية في الشر جلبت على أمم الأرض الهلاك والدمار .

يميل الآباء والأمهات، والمعلمون للثناء والرضا عن الأبناء الهادئين، والتلاميذ الصامتين الذين يخضعون لكل توجيه ويلتزمون بكل أمر ، بينما الأبناء الذين يتمتعون بحركة دائبة وتبرز لديهم صفات القيادة والشجاعة، والاعتداد بالرأي فإنهم يُصنفون كما لو كانوا من مثيري الشغب ومزعجي السلطات .

عندما تنظر إلى مجموعة أطفال يلعبون فلا شك أنك ستلمح بأنهم يلتفون حول أحدهم، وعندما يجتمع التلاميذ في قاعة الدراسة أو ساحة المدرسة فإنهم يتعاملون مع البعض من زملائهم كقادة، وعندما تطرأ أمور وتستجد أحداث فإن عدداً محدوداً يتصدرون المشهد وتنتهي إليهم المشورة ويرجع إليهم الأمر، وأولئكم هم القادة.

الحياة تحتاج إلى أطباء ومهندسين ومزارعين وحرفيين، وكل هؤلاء يحتاجون إلى قادة يجمعون ما تفرق من المواهب ويوجهونها نحو خدمة المجتمع، وستظل تلك المواهب أحجاراً مبعثرة لا قيمة لها ما لم يتم نظمها ورفع بناء المجتمع بها وقيادتها إلى تحقيق الحياة الكريمة لأبنائها.

هل يعي الآباء والمعلمون أهمية اكتشاف القيادات؟!! وهل هناك برامج في مدارسنا تعنى بالقيادات الطلابية وتأهيلها؟!! وهل نعي أهمية إعداد القادة؟!!!!

المجتمعات التي تتسع فيها دائرة الممارسة الإدارية تفرز قيادات مؤهلة، على عكس المجتمعات التي ينخفض فيها سقف الممارسة القيادية.

القيادة جانب منها فطري وآخر مكتسب، أو كما يقال “عَرَقُ جبين”، والمجتمع الواعي هو الذي يجعل من عرقِ الجبين مِسكاً يعطر بها القادة النجباء جَنبَات الحياة .

لا تستهن بالطفل المبادر ، فهو مشروع قائد، ولا تنظر بتجاهل لمن أبدى استعداده لتحمل المسئولية في إطار فريق كرة القدم مثلاً، أو برنامجاً ثقافياً أو إدارة رحلة، فكل هؤلاء مشاريع قادة .

يتمتع بعض الأبناء بخيال واسع، وبأحلام ليست عادية ففي حين يتخيل البعض أصناف الطعام والشراب أمامه، يُحلق البعض الآخر بخياله بعيداً فتتوق نفسه لقيادة مجتمعه نحو القمة، ويحلم بحلول جوهرية للمشكلات المستعصية.

رأى يوسف عليه السلام في المنام أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رآهم جميعاً يسجدون له، وعندما علم أبوه- يعقوب عليه السلام- بالرؤيا أدرك بأنها رؤى قائد فذ، وليست رؤيا طفل عادي، فأمره أن لا يقصص على إخوته الخبر فيحسدونه ويكيدون له، ولم تكن تلك الرؤيا – في اعتقادي- إلا انعكاساً طبيعياً لما يفكر فيه يوسف، ويُمعن فيه النظر في يقظته، فكثيراً ما تكون أحلام الليل نتاجاً طبيعياً لما لأحلام اليقظة.

اكتشاف القيادات واجب على مؤسسات التربية ابتداء بالأسرة مروراً بالمدرسة وصولاً إلى أعلى سلطة، ولا يجب الاكتفاء باكتشاف القادة، فرعايتهم وتدريبهم، وتمكينهم في المستقبل من إدارة دفة الحياة هو الواجب الأكثر أهمية .

لمزيد من المقالات التربوية