الحجاب ” حجاب العقل” د. عبدالقوي القدسي

الحجاب “حجاب العقل” 

د.عبدالقوي القدسي

أرسل لي صديق عزيز مقطعاً مسجلاً فيه ردٌّ على من سماهم “الحداثيون الجدد ” في مسألة الحجاب، فأرسلت له رسالة هذا نصها:

المشكلة يا شيخ -من وجهة نظري- ليست في حجاب المرأة، فالمرأة المسلمة متمسكة بحشمتها ومعتزة بدينها ، المشكلة في حجاب العقل. هذا الحجاب الذي أنتج جيلاً لا يفكر. ، وجيلاً يؤمن بالخزعبلات ، وجيلاً من العميان يُسلم للمشائخ، أو المرجعيات دون أدنى تفكير أوبصيرة، أو يبحث عن المتعة، ويسابق إلى الشهوات بحجة التحرر من القيود، وتحقيقاً لمبدأ الحريات .

الحجاب يا شيخنا هو حجاب المسلم عن علم البناء والإعمار، وإشغاله بعلم الحكايات، والفوازير أو المفخخات والأحزمة الناسفات .

مشكلتنا في حجاب العقل الذي جعل بين المسلمين، وبين غيرهم من أمم الأرض سداً منيعاً، وسوراً باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب .

ليست قضيتنا المصيرية هو حجاب المرأة العصرية . قضيتنا أعمق من ذلك بكثير، قضيتنا تكمن في “حجاب العقل” فإذا نجحنا في إزالة ذلك الحجاب فإننا سننجح في استعادة تأثيرنا على الأمم، ونناقش قضايانا بكل رَوية واقتدار، وحينها لن نجد وقتاً لمناقشة مثل هذه الموضوعات.

“حجاب العقل” :

أرهق المسلمين، وادخلهم في معارك التاريخ القديم والحديث، فبدون وعي صار البعض يستدعي معارك علي ومعاوية، والحسين ويزيد ، وبدون وعي أُعيدت المعركة جذلة، وعمد كل فريق إلى الآخر ضرباً، وطعناً وقتلاً وأسراً، وفي مخيلة كل فريق صور الخصوم الأوائل الذين قضوا قبل مئات السنين، والعجيب أن كلا الفريقين يقاتل باسم الدين،والقاتل يقول:”الله أكبر” والمقتول يردد نفس القول.

“حجاب العقل” :

حالَ بين المسلم، وبين التفكير بالمنطق، فالمسلم يتعلم بمدارس الغرب وجامعاته، ويستفيد من كل علومه ومخترعاته، ويبني قوانينه بموجب آلياته ونظرياته، ويبني مساجده في عواصمه وولاياته، ويهاجر إليه ويلجأ إلى عدالته، ولكن هذا العقل المحجوب في المقابل لا يزال يحشد قواه ونصوص أسلافه ليهاجم ذلك الغرب الكافر والمارق، ويسعى لتدميره ، وتعبيد رجاله، وسَبي نسائه .

حجاب العقل يا شيخنا الحبيب حالَ بين المسلم وبين العيش بسلام مع إخوانه المسلمين قبل أعدائه المفترضين، وما أحوال أمتنا عنك ببعيد .

“حجاب العقل” يا دكتور فرَّق الدين ، وجعل الأمة شيعاً وأحزاباً متشاكسين، وبينهم من العداوات ما يفوق ما كان بين داحس والغبراء من ثأرات، فكل طائفة تلعن أختها ، وتجعل الجنة حكراً على أتباعها، وكل جماعة تطوّع نصوص الشرع بحسب هواها لتحمي مملكتها وترضي غرورها، حتى أفقد الكثير من المسلمين ثقتهم بشريعتهم فراحوا يبحثون عن بديل، وينفرون من الدين .

“حجاب العقل” جعل الأمة مخدّرة ، تتغنى بأمجاد الأجداد، ولا تسعى لبناء المجد، تلهث نحو المجهول طلباً للنجاة من المنون ، تماماً، كالظمآن يحسب السراب ماءً فإذا جاءه لم يجد شيئاً.

“حجاب العقل” يا شيخنا حَجَب المسلمين عن التجديد، والتطوير، وقيّد الباحثين بقيود الأولين والميّتين، وبسبب حجاب العقل أصبح الرأي دِيناً، ورجل الدين مقدساً، وبذلك برزت في الأمة أديان وانزوى دين رب العالمين.

لسنا بحاجة يا شيخنا إلى أن نُشعل معارك جانبية تُلهي الأمة عن رسالتها، وتحرفها عن مسارها، لسنا بحاجة إلى تسفيه بعضنا البعض، وإلى التشكيك في النيات، وإلى احتكار الحقيقة، وإلى ادعاء القداسة، تصريحاً أو تلميحاً.

أمتنا اليوم يا شيخنا بحاجة إلى بناء الإنسان الذي يقبل بأخيه الإنسان، ويعيش معه في أمن وسلام، وهي في أمَسّ الحاجة إلى إزالة الحجاب عن العقل لينطلق في إعمار الحياة، وليعبد الله على علم، وبصيرة .

أُطمئنك يا شيخنا بأن مجتمعاتنا تحب دينها، وتطيع ربها، ولن تتنازل عن قيمها، فلا تقلق، ولا ترهق نفسك بقراءة عشرات الكتب الصفراء التي تتضمن أقوال الأولين والآخرين في شرح الدين الواضح المبين.

د.عبدالقوي القدسي

الأحد 9ديسمبر 2018

http://yecm.net