المعدل التراكمي
المعدل التراكمي في الثانوية العامة في اليمن

المعدل التراكمي في الثانوية حل لمشكلة؟ أم أنه مشكلة في طريق الحل؟

الدكتور عبدالقوي القدسي
د.عبدالقوي القدسي رئيس المجلس التعليمي

اتجهت وزارة التربية والتعليم في اليمن مؤخراً إلى اعتماد نظام المعدل التراكمي في المرحلة الثانوية؛ تأسِّياً ببعض دول المنطقة العربية.

ربما هدفت الوزارة من إقرار النظام التراكمي إلى دفع التلاميذ إلى الجدية، والاجتهاد في جميع صفوف المرحلة، والتقليل من نسبة الغش الذي يحدث في موسم اختبارات الشهادة الثانوية، فهل تحقق الهدف؟!!!!!

يؤدي تلاميذ الصف الثاني عشر أو الثالث الثانوي اختباراتهم للحصول على نسبة (50%) وفق نظام المعدل التراكمي، ويتم احتساب (50%) من المستويين السابقين ، الصف العاشر، والحادي عشر، مع الأخذ في الاعتبار بأن الطالب الذي تقلُّ درجته في اختبار الشهادة الثانوية عن النصف فإنه يُعد راسباً، حتى لو حصل على النتيجة النهائية في الصفِّين العاشر والحادي عشر.

من حقنا أن نتساءل، كتربويين وآباء ومواطنين: هل دور وزارة التربية والتعليم يقتصر على رصد الدرجات وإعلان النتائج، والمصادقة على الشهادات؟ أم أن دورها هو إعداد الجيل لبناء المستقبل، وتهيئته لإدارة دفة الحياة بكفاءة واقتدار؟!!

شهدت السنوات السابقة غشاً فاحت أزكمت رائحته الأنوف، وتحوّلت الكثير من المدارس الأهلية بسبب نظام المُعّدل التراكمي إلى ما يشبه فقَّاسات البيض، لإنتاج وتكثير الدرجات، وبعضها أصبح يعطي عطاء من لا يخشى الفقر من الدرجات، ليجذب التلاميذ إليه، ولإدارات التربية أن تُلقي نظرة على النتائج لتكتشف بنفسها أن الكشوفات تتزين بالدرجات فئة الـ (100)، أو فئة التسعينيات، وعلى خُطَى المدارس الأهلية فقد راح الكثير من مدراء المدارس الحكومية يصرف لطلابه درجات بحساب، وبغير حساب، فهل هذا هو المطلوب من اعتماد نظام المعدل التراكمي، وهل الدرجات تُعبر عن حقيقة المستوى؟!! أم أننا بحاجة إلى اعتماد اختبار وزاري مركزي في كل صف دراسي لضبط العملية ؟!!!

لو اعتبرنا الفترة الماضية هي فترة التجريب للنظام، فهل آن الأوان إلى تقييمه بشكل علمي للوقوف على جوانب قوته، وضعفه؟! أم أن الأمر غير خاضع للدراسة والنقاش ؟!!

عندما تضيع البوصلة يحدث الاضطراب، ونخبط خبط عشواء، وقد نصيب أو نخطئ، والمطلوب لتفادي ذلك هو ضبط بوصلة الهدف، ولْنسأل أنفسنا ما الذي نهدف إليه من التعليم ؟!! ثم نقرر هل نظام المعدل التراكمي يحقق هذه الأهداف أم لا .

الغش في الاختبارات لن يتوقف، بل ستزداد حدته يوماً بعد يوم ؛ لأننا -وببساطه- قد اخترناه بأنفسنا، فعندما ربطنا العملية التعليمية كلها بنتيجة الطالب نهاية السنة الدراسية فإننا نكون بذلك قد فرضنا عليه طريقاً واحداً إجبارياً وهو النجاح ولو بنسبة (50%)، ولا تَهم الوسيلة بعد ذلك، فالبعض يختار النجاح عن طريق الدروس الخصوصية، والبعض الآخر لديه القدرة المالية لشراء النتيجة، ويتجه آخرون لفرض النتيجة بقوة الساعد والسلاح.

هل مجرد طباعة استمارة بمواصفات تُقلل من فرص تزويرها كفيل بعدم الحصول عليها عن طريق المزورين الموكول إليهم حفظ تلك الشهادات ؟!!!! وهل اعتماد الدرجة التراكمية كفيل بمنع تراكم الدرجات، والنجاح المفرغ من محتواه؟!!!!

نظام المُعدّل التراكمي ربما يكون ناجحاً في الجامعة بسبب طبيعة المرحلة، ولكن هل يكون مناسباً في المرحلة الأساسية أو الثانوية ؟!!!

لا نريد أن نكون كالذي أراد أن يُكَحلّها فأعماها كما يقال ، فنذهب لاستيراد أنظمةً لحساب الدرجات، بدلاً من دراسة أنظمة ناجحة في التعليم .

نظام المعدل التراكمي – من وجهة نظري- ليس حلاً، بل ربما يكون مشكلة في طريق الحل، إذ أنه يعطي نتائج لا تصف حقيقة المستوى، ونظراً لأننا نعيش مرحلة استثنائية فعلينا التفكير الجاد في منظومة التعليم، وعقد ورش العمل والمؤتمرات للتهيئة لمرحلة قادمة؛ لنبني قرارنا في اختيار النموذج الأنسب بناء على دراسات عميقة ، ولنبدأ التفكير في تطوير التعليم بدلاً من التفكير في تطوير حساب الدرجات، ولنقف عند مشكلات التعليم، ونبحث عن حلول بدلاً من ابتكار المشكلات في طريق حلها.

✍د.عبدالقوي القدسي
الجمعة ٢٨ ديسمبر ٢٠١٨