المخرجات التعليمية في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية

 

رئيس المجلس التعليمي     د.عبدالقوي القدسي

إذا أردنا قراءة المستقبل فإننا لن نجد صعوبة، ولن نحتاج إلى جهد كبير أو عناء، إذ أننا بنظرة فاحصة إلى مخرجات نظام التعليم نستطيع أن نتنبأ بشكل المستقبل، تماماً كما يتنبأ خبراء الإرصاد بهطول الأمطار من عدمها من خلال نظرتهم الفاحصة للأجواء،

لو توجهنا بالسؤال لمن يمسك بزمام التعليم في بلادنا، هل تمتلك بلادنا رؤية استراتيجية للتعليم للعشر السنوات القادمة ؟!! هل درسنا احتياجات البلاد، سيما ونحن نعيش مرحلة استثنائية تحتاج إلى تفكير استثنائي؟!!!هل قمنا أو نقوم أو سنقوم بعملية تحيل شاملة لتشخيص أسباب التخلف التعليمي ؟!!!

ربما نختلف كثيراً حول قضايا سياسية أو فكرية أو غيرها من الجوانب الإنسانية، لكننا نكاد نُجمع على ضعف المخرجات التعليمية، وعدم تأهيلها بما يتناسب مع العصر .

تصميم المناهج التعليمية الفاعلة هي مهمة غاية في الصعوبة، ولكنها ضرورة وطنية، وحتمية لازمة تستحق أن تتجه لها الدولة بكل قوة، وأن تسخر من الإمكانات ما يؤدي إلى نجاحها.

عندما نصمم المناهج يجب أن نسأل أنفسنا ماذا نريد؟!! وما هي المخرجات التي نتوقعها بعد تدريس المنهج؟! ما مواصفات الطالب المتخرج من المرحلة الثانوية؟ وما المهارات التي يجب أن يكون قد اكتسبها خلال اثنتي عشرة سنة دراسية ؟!!

“المُدْخَل الرئيس” الذي نتحدث عنه هو” المُتعلم”، و”المُخَرج الرئيس” أيضاً هو المتعلم، وكل ما يحدث من عمليات تعليمية، وأنشطة وبرامج وتقييم، وتقويم وتغذية راجعة إنما تستهدف المتعلم. فما الذي نتصوره من أبنائنا بعد قضائهم أكثر من عقد من الزمان في التعليم؟!!!!

نتألم عندما نجد مناهجنا عقيمة لا تواكب تطورات العصر، وألمنا أكثر عندما نبرر لأنفسنا، ونتعذر بشحة الإمكانات، في حين أن اموالاً طائلة وقروضاً وهقات ومساعدات تُصرف في قضايا جانبية ومظاهر واحتفالات، هذا غير ما يصرف للذخائر والمتفجرات.

مخرجات التعليم اليوم لا تُحسن القراءة ولا الكتابة، ولا تجيد الاستماع، ولا التحدث، ولا تمتلك الشجاعة في الحوار أو إعمال العقل، ناهيك عن التقييم والتقويم وحل المشكلات بعد الفهم العميق والتحليل الدقيق.

مخرجات التعليم في زمن النهضة الحضارية والثورة التكنولوجية كسيحة وهزيلة؛ لأن مناهجنا تعتمد على التحفيظ والتلقين، ولا تثير التفكير والإبداع.

حقائب أبنائنا تعج بعشرات الكتب، وتثقل كواهل ظهورهم عن حملها، ولكن عقول الكثيرين منهم خاوية على عروشها، فما الذي نجنيه من كتاب فيه مئات الصفحات في الفيزياء، أو الكيمياء أو الرياضيات، وأبناؤنا لا يتعلمون منها سوى الأسماء وحفظ الرموز والمصطلحات ؟!!! وما الذي نجنيه من مئات الصفحات في اللغتين العربية والإنجليزية، وأبناؤنا لا يحسنون أبجديات الكتابة أو القراءة؟!!!! وما الثمرة من مئات الصفحات في التربية الإسلامية وأبناؤنا لا يفهمون معاني التسامح والسلام مع أنفسهم ناهيك عن مخالفيهم في الدين أو المعتقد ؟!!

يجب أن تسهم مناهجنا التعليمية  في إعداد جيل يحترم العقل، ويؤثر في حضارة العالم، ويتعايش مع غيره، ويحترم النظام، ويحارب الخرافة، ويُبدع ويبتكر، ويبني ويُعمّر ، ويفاخر بالإنجازات لا بالأنساب والأحساب، ويبتعد عن لغة التكفير والنفاق،والتفسيق، وعقلية العداوة للبشر ، ويؤسس لجنة الله في الدنيا قبل الآخرة، وفي سبيل إعادة تصميم مناهجنا يجب أن نبذل كل غالٍ ونفيس.

الجمعة ٤ يناير ٢٠١٩