القوانين الحاكمة للظواهر الإنسانية والاجتماعية

 

أ . د داود عبدالملك الحدابي

الإنسان في حالة طلب للعلم وبحث عنه، والتنافس في مجال التنمية أو الصراعات بين الأمم هو تنافس في الدرجة الأولى قائم على العلم، حتى وإن اتخذ أشكالًا أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية إلا أنه في الأخير يعتمد على المعرفة والمعلومات، فالعلم والمعرفة والمعلومات هي مصدر القوة الأساسي، وما بعده أو نتج عنه يعتبر معتمدًا عليه.
ولهذا فقد كان أول ما نزل من الوحي الحض على العلم والمعرفة ليكون الإنسان قادرًا على الحياة وإدارتها بطريقة فعالة وسعادة ورفاهية.
وقد نشأت في القرون القليلة الماضية لاسيما الثلاثة الأخيرة عدد من التوجهات والمدارس الفلسفية التي تسعى إلى الحصول على المعرفة؛ لتتمكن من الازدهار والرفاهية.
ونتيجة لانتشار الخرافة والكهانة في أوروبا بالذات، وهي بلاد الثورة الصناعية، لا سيما الأولى، فقد سطع نجم مدرسة الفلسفة الوضعية لترفض هذه الخرافات والكهانة التي تولى كبرها رجال الديانة المسيحيين، والتي تم تحريفها وتغييرها وتبديلها حتى أصبحت من صنع الإنسان، ومما نتج عن تبني مثل هذه الفلسفة في الحياة المادية تقدم العلوم الطبيعية والرياضيات والعلوم التطبيقية والتقنية، مما ساعد أوروبا على نهضتها الصناعية، وكان ذلك نتيجة لإعمال العقل والملاحظة والتجريب وتقليب النظر في دراسة الظواهر الطبيعية، وصاحب ذلك عدم الاعتراف بالغيبيات ظنًا منهم أنه ما حصل من تقدم علمي وتقني كان نتيجة لإعمال العقل والملاحظة والتجريب ونكران الغيبيات، وانتقل هذا الفهم الخطأ إلى بلاد المسلمين فتعزز التوجه اللاديني وأصبح عدد من مثقفي المسلمين مسلوبي الإرادة وتابعين للمنهجية الوضعية في مسيرة البحث العلمي، وأصبح الوحي بعيدًا عن منهجية البحث العلمي، وأدى هذا إلى سوء الفهم لمنهجية البحث العلمي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى انتقال هذا المنهج المسمى بالعلمي إلى دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية.
فأصبح دعاة المنهج الفلسفي الوضعي positivists يدعون أن تقدم العلوم الاجتماعية مرهون بتقليد ومتابعة ومحاكاة ومضارعة المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجريب.
وبعد عدة عقود تبين للعلماء لا سيما في الغرب أن هذا التوجه في مضارعة الفلسفة الوضعية يصعب تطبيقه كما هو الحال في العلوم التطبيقية مما حدا بالبعض إلى تبني العديد من الفلسفات البحثية الكيفية أو ما تسمى اليوم بالفلسفات التفسيرية من الظاهراتية والاثنوجرافية والتفاعلية الرمزية وغيرها والتي كانت ردة فعل جديدة ضد البحث عن قوانين كونية تتحكم بالظواهر الاجتماعية بغض النظر عن الزمان والمكان والثقافة والجغرافيا، فنشأت منهجيات تؤكد على نسبية الحقائق والتركيز على الفرد والمجموعات الأصغر وعدم التعميم. فكل شيء نسبي، ولا يوجد مطلق، ولايؤمنون بعلوم الوحي، ولا الحقيقة التي تقع خارج نطاق العقل البشري.
السؤال الذي يضع نفسه: إلى أي مدى أخذ الباحثون المسلمون بالمناهج ذات العلاقة بالفلسفة الوضعية أو التفسيرية؟.
ما ينبغي تأكيده هنا أن منطلقات كلا الفلسفتين منطلقات لا تقبل بالوحي كمصدر للمعرفة، ولا تؤمن بخالق هذا الكون ومافيه من المخلوقات.
فالمسلمات للباحثين المسلمين مختلفة سواء فيما يتعلق بالإنسان أو الكون أو الحياة أو المعرفة، وبالتالي فمسلمات المنهجية قد تختلف نتيجة لاختلاف الفلسفة أو نظرة العالم الإسلامية القائمة على تكامل العقل مع الوحي.
وسنحاول أن نورد آيتين من سورة العلق، والتي قد توضح الرأي الذي يمكن للباحث المسلم أن يتبناه:
أسلفنا أن سورة العلق مرتبطة بطلب العلم والأخذ بآلياته، تبع ذلك تحديد قاعدة كونية يمكن أن نستلهمها من الآيتين (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أن رآه استغنى)، فقد ربط الله سبحانه وتعالى بين سمتين للإنسان وهما (الإستغناء) كما يؤمن به الإنسان بغض النظر عن نوع الاستغناء سواء بالمال أو السلطة أو غيره، وبـ (الطغيان) بصوره المختلفة. وهنا يمكن أن يُفهم منه أنه قانون إنساني عام، وهو ارتباط الإستغناء بالطغيان شريطة أن يكون الشخص نفسه على يقين وإيمان بالإستغناء عن ربه، وليس بالضرور أن المال يسبب الطغيان، وإنما إذا رآه أي اقتنع وآمن بذلك يكون قد وضع نفسه في خانة الطغاة.
أي أنه يمكن أن نفهم والله أعلم -وهذه قاعدة قرآنية مستنبطة- أن هناك قواعد إنسانية واجتماعية عابرة للثقافات والجغرافيا والزمان، ولكن هذا تم استنباطه من الوحي، والذي يعتبر موضوعي وقطعي الثبوت وأحيانًا قطعي الدلالة، وهذا الفهم هو استنباط بشري قد يصدق وقد لا يصدق، فالحل هو إخضاع هذا الفهم للاستقصاء والبحث فإذا ثبت في الواقع أن هذا الفهم سليم تعززت الموضوعية.
كما أن عددًا من المشكلات والأهداف ذات الصلة بالظواهر الاجتماعية قد لا ينفع معها استخدام المنهج الكمي كما تدعيه الوضعية، فدراستنا مثلًا لنصوص الوحي له منهجيات بحثية مختلفة للتوصل إلى المعرفة الأكثر موضوعية.
وفي الختام نستطيع القول أن الإسلام يحضنا على استنباط السنن والقوانين من الوحي أو الدراسات الميدانية مع إعمال العقل سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية، إلا أن ما نتوصل إليه في العلوم الاجتماعية هي أرجحيات وتتطلب منا عدم الجزم بأن ما نصل إليه نهائي وحتمي.
وعلينا تبني المنهجين الكمي والكيفي بمنطلقات ومسلمات مختلفة مما يؤدي إلى تكامل معرفي وتحديد أولويات بحثية تلبي متطلبات الإنسان الضرورية والحاجية والتحسينية في ضوء الإطار الموجه لها والمتضمن للقرآن والسنة الصحيحة.
#خاطرة_منهجية_بحثية