خداع النفس وتسويق الوهم

 

  د.عبدالقوي القدسي

يمتلك البعض قدرات، ومهارات في خداع الآخرين، ولكن هل يمكن لإنسان أن يخدع نفسه؟! وأن يقع في شراك الوهم؟

يخدع الجاهل نفسه عندما يوهمها بأنه بحر العلوم ومعدن الفهوم، ويخدع الضعيف نفسه عندما يوهمها بأن مكامن القوة بين يديه، ويوهم الغبي نفسه بامتلاكه ذكاءً لا نظير له،وخداع النفس ليس له حدود، ويظل المخدوع يسبح في الخيال، ولا يفتح عينيه إلا على الحقيقة الصادمة التي تُحطم بقوتها كل جبال الوهم المصطنعة.

للنفس المخدوعة تأثير على سلوك الإنسان في الحياة، ففي القديم كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن- متوهمين خطرهم وقدراتهم الخارقة- فزادهم الجن رهقاً، واعتقد آخرون بأن دواءهم في الحروز، والتمائم فالتمسوا فيها الشفاء، لكنهم لم يجدوا سوى الشَّقاء!!

إذا أوهم إنسان نفسه بأنه مريض فإنه يشعر تلقائياً بصداع في رأسه، ويتجاوب معه سائر الجسد، وإذا أوهم نفسه بأن علاجه لا يكون إلا على يد طبيب بعينه فإنه لن ينتفع بطب الأرض، ولن يقبل بأمهر الأطباء ولو قاموا على صعيد واحد فأدلى كل واحد منهم بدلوه .

يُحكى بأن امرأة عجوزاً اعتقدت بأن ثعباناً يسكن بطنها ، وكانت تُبدي لذلك ألماً شديدًا،ولم تنتفع من كل الأدوية التي وُصفت لها، وظلت تؤكد لأبنائها بأن في بطنها ثعبان، وتنزعج لعدم تصديقهم ، وبعد عناء اهتدى الأبناء إلى طبيب نفسي وشرحوا له القصة، أصغى الطبيب إلى شكوى العجوز باهتمام، وقد أحضر-دون علمها – ثعباناً ووضعه جانباً، ثم عصب على عينيها وطلب منها أن تشرب العلاج الذي وصفه لها، وأحضر وعاء وضع فيه ثعباناً وطلب منها أن تتقيأ فيه حال شعورها بالغثيان ففعلت ما طُلب منها ، وعند فراغها فتح عن عينيها، وقال لها: منذ متى وهذا الثعبان في بطنك؟ وكيف استطعت الاحتمال؟ قالت وهي مستبشرة: “منذ فترة طويلة يا ولدي، ولكن أبنائي لا يصدقونني” وسرعان ما سَرت الصحة في جسمها، فصدق القول عليها: “داويها بالتي هي الداء” .

لي أصدقاء يعملون في شركات تُنتج مكملات غذائية أوْهموا أنفسهم بأن فيها الدواء لكل داء، تفوق (أبو فاس) والحبة السوداء، ففيها علاج للزكام، ولآلام المعدة والظهر والبطن، وسائر الأورام، وبسببها يُنجب العقيم بعد طول انتظار، وتعود المرأة الناشز إلى بيت الطاعة والدار، وبها يصل السمين إلى الرشاقة، ومن خلالها يمتلؤ عود النحيل ويصبح في غاية الأناقة، فيها علاج للسكر والسرطان والضغط وآلام المفاصل والفقرات، ولم يكتفوا بخداع أنفسهم، بل راحوا يُسوّقون ذلك الوهم للناس وبكل حماس.

يوهم بعض العاملين في التسويق الشبكي أنفسهم بأنهم هم الإيجابيون ويلمزون غيرهم بالسلبية، وهم الأحرار وغيرهم -في نظرهم- عبيد الوظائف والتجار، بل وصل الأمر إلى الاعتقاد بأنهم هم المنتجون وغيرهم من حملة الشهادات العليا، وأصحاب المتاجر المتواضعة وطلبة المدارس غير منتجين وعاطلين، وغير إيجابيين، فماذا يمكن أن نسمي كل ذلك؟!!!!!!! .

“الدين” هو المظلوم الذي تواطأ الجميع عليه لم يسلم من استخدامه في الترويج للمنتجات، وهذا ليس غريباً فكم من أحاديث وضعت للتسويق لأنواع من المأكولات والمشروبات قديماً وحديثاً ، ويكفيك أن تقول : قال الله ، أو قال الرسول ليُهرع إليك كثير من الناس.

قال لي أحدهم نريد أن يتحول الطلاب والباحثون إلى منتجين، قلت : كيف؟ قال بأن يشتغلوا معنا في التسويق الشبكي ، قلت : نعم ، هي فرصة عمل، يحسنها البعض ولكنها لا تتناسب مع آخرين، والإنتاج مفهومه أوسع؟ فالمقال الذي أكتبه مُنتَج، والقصيدة مُنتج، والبسكويت منتج، والخبز منتَج وغيرها كثير، والعاملون فيها منتجون، وأردفت قائلاً: يجب أن نُفرّق بين أن تكون مُنتجاّ أو أن تكون مُسوّقاً لمُنتج، ولا يخفى ما بين المصطلحين من بوْن ٍشاسع.

يؤلمني كثيراً عندنا أشعر بأننا -كأُمة- نلهث بعد سراب الوهم معتقدين بأنه هو الماء الذي يروي عطش الظمآن، فنكتشف في الأخير بأنه ما كان إلا وهماً، ويؤلمني أن نعيش وهٔم الانتصار على الأعداء ونحن لا نمتلك في أوطاننا ما يشبع بطون الجوعى، وغاية الوهم ان ننادي بموت الآخرين، ونحن نستورد منهم كل مقومات الحياة.

نحن بحاجة ماسة إلى الوقوف أمام الحقائق وتسمية الأشياء بمسمياتها، والصدق مع النفس، فمواجهة الحقيقة المُرة خير من الوقوع فريسة لخداع النفس، والوهم.

الأحد 20يناير 2019