القيود الخفية

القيود الخفية

عبدالقوي القدسي
د .عبدالقوي القدسي

يظهر الناس عاطفة تجاه فرد أو جماعة وضعت الأغلال على أعناقهم أو قُيدت أيديهم وأرجلهم وأصبحوا عن الحركة عاجزين، ولربما ثارت منظمات حقوق الإنسان اليوم وملأت الدنيا ضجيجاً حول تقييد حرية الصحافة والصحفيين، ولكن هل تتحرك المجتمعات والدول لوضع حلول جذرية للقيود الخفية؟!!!

ما القيود الخفية؟! سؤال مشروع وللقارئ الكريم أن يطلق لخياله العنان للإجابة عن السؤال فيدرك بادئ ذي بدء بأن هناك من الأمور الخفية ما يحجب الإنسان عن إصابة الحقيقة،تماماً كالأعمدة الخفية التي تمنع السماء من أن تقع على الأرض، وتحافظ على ما بينهما من هوة سحيقة.

لماذا يتنكب البعض طريق الحق رغم وضوحه؟! ولماذا يقع البعض في التطرف الذي ينادون بمحاربته؟! ولماذا يفشل المثاليون عند أول اختبار في ميدان الواقع؟ ولماذا يسبح البعض ضد التيار بعزيمة وإصرار؟!!

هناك قيود دينية، واجتماعية، ومذهبية، وسلالية، ونفسية ، وقيود حضارية واقتصادية وسياسية، وغيرها من القيود الخفية التي تكون سبباً في الصراع، والصدام وإشعال الحروب وتخريب الأوطان والديار.

ما الذي منع أبا لهب من إعلان إسلامه فيصيب دعوة ابن أخيه محمد عليه السلام بمقتل عندما تلا سورة المسد وفيها جزمٌ بأنه سيصلى ناراً ذات لهب هو وامرأته حمالة الحطب؟!! أما كان بإمكانه أن يسلم؟! بلا، ولكن قيد العصبية الخفي والغرور والحماقة كلها أعمت على بصره وحالت دون تصرفه بعقل وحكمة.

جميع الحركات الإسلامية تنادي بوحدة الأمة، وتشن حملة شعواء على الحكام الذين يحولون بين الأمة ووحدة صفها- ولهم كل الحق في ذلك – ولكن السؤال ،لماذا لا تُقدم تلك الجماعات مثالاً يحتذى به، فتعلن وحدتها لمصلحة الأمة، وتتنازل عن آيدلوجياتها حُباً في الأمة؟!!! وما ينطبق على الجماعات الإسلامية ينطبق أيضاً على الأحزاب بمختلف مسمياتها .

لا يشعر الإنسان بالقيد الخفي الذي يقيد حركته نحو الحقيقة، وتلك هي الخطورة. فالهاشمي الذي يمنع زواج ابنته من قبيلي -على سبيل المثال- لا يشعر بقيد السلالية الذي يجري في دمه، والغني الذي ينام على الحرير لا يشعر بالفقير الذي يرقد على الحصير، وقد قرأنا في التاريخ عن جان جاك روسو بأن ملكة فرنسا انطوانيت عندما سألت عن سبب المظاهرات التي تعح بها شوارع باريس فقال لها أحد مستشاريها : خرج هؤلاء الفقراء يتظاهرون ضد ارتفاع ثمن الخبز، فقالت: “إذا لم يكن هناك خبز للفقراء…دعهم يأكلون كعكاً ؟!!!!!!!!!

لطالما ذرفت عيون البعض وهو يتحدث عن الآخرة، ويلعن الفساد، وينادي بتقوى الله وحب الأوطان، فإذا ما ظفر بوظيفة حكومية ذهبت تلك المثالية، وانغمس في حب الدنيا، ونسي الآخرة، وما حال بينه وبين تلك النتيجة إلا قيد الفلسفة الأفلاطونية.

لو تحدث الحليق في شأن الدين لسَخِر منه مَن يتمسك بأقوال بعض السلف في تفسيق من حَلَق، ولو تفوَّهَ الخصم بالحق لكان هو الباطل -بعينه- في نظر خصمه ومناوئيه، ولو تلبدت السماء بالغيوم لوصفها بعض أهل اللجاجة بالصافية التي ليس فيها قَزَعة.
إنها القيود التي تصبح كالران على القلب يمنعه التأمل، وكالغشاوة في العين تمنعها النظر، وكالوقٔر في الأذن يحرمها السماع :”لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا” (الاعراف:١٧٩)، ولطالما وقفت متأملاً قوله تعالى:” وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ “(الأعراف:١٩٨) وأدعوكم أيضاً للتأمل فيها، إذ كيف ينظرون ولكنهم في النهاية لا يبصرون؟!!!!!!!!.

استوقفتني عبارة في منشور وصلني من صديقٍ واضعً أمام اسمه حرف(د) ضمن حملة توعوية تحت عنوان:” ليغيظ بهم الكفار” وإغاظة الكفار والمنافقين والعلمانيين والتحررين في نظر الدكتور كما جاء في المنشور تكون ” بحف الشارب، وإطلاق اللحية”، فقلّبت النظر في الغرائب والأثر فما وجدت لهذه الحملة شبيهاً، فقررت أن أعود إليكم لنُعدد بعض فلتات التاريخ القديم والحديث والتي انتصر فيها أهل الإيمان على أهل الكفر والضلال بسبب طول اللحية، وقُصر الثوب والشارب، فكل من وجد شيئاً فليجد به علينا وجزاه الله خيراً!!

إن القيود الخفية يصعب التحكم بها، ولكنها في المقابل ليست قَدَراً محتوماً ، فكثير من الدعوات الصادقة نجحت في تحطيم أغلالها، وأحالت الكثير منها أثراً بعد عين، والتنبيه إلى خطورتها خطوة مهمة في الحد من تأثيرها، قال تعالى واصفاً نبيه: ” وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ”(الأنعام:١٥٧) .

  • الخميس 24 يناير 2019
  • صفحة الكاتب على الفيس بوك

https://www.facebook.com/abdulkawi.alkadaci