الأفكار حياة الأمم د. عبدالقوي القدسي

الأفكار حياة الأمم
د.عبدالقوي القدسي

الأفكار حياة الأمم

للأفكار الإبداعية أهميتها في تقدم الأفراد والشعوب، ولعل تاريخ البشرية يشهد بأن الأفكار الكبيرة تبني أمماً عظيمة فيما تظل أمم أخرى في المؤخرة نتيجة لإيمانها بأفكار تافهة، وساذجة.

لا مكان للصدفة في تغيير المجتمعات، فأي حركة تغيير على الأرض- سلباً أو إيجاباً-  يسبقها تغيير في الأفكار، فكما أن الجسد يتبع الرأس، ويتحرك بحركته فكذلك المجتمعات بكل إمكاناتها تتحرك بحركة مفكريها وعقولها .

الأفكار التغييرية تُجابَه بمقاومة شديدة، فالإنسان كما يقال : عدو ما يجهل، وعادة ما يكون المنتفعون من بقاء الوضع على ما كان هم الأكثر حماسة للمواجهة، فالتسليم للجديد يفقد القديم أهميته، ويحرم المنتفعين مصالحهم، ومكانتهم التي أسسوها على قواعد هشة من الجهل والخرافة، فكان البنيان على شفا جرف هار سرعان ما ينهار ويتحول إلى حمم يكتوي بها أصحابها .

قاد الأنبياء عليهم السلام حركة تغيير حقيقية في حِقَب مختلفة من التاريخ، فجُوبهت دعواتهم وأوذوا في سبيلها، وتوجهت الآلة الإعلامية للملأ من القوم بكل عنفوانها للنيل من قادة التغيير، والعجيب أن ينادي رجل كفرعون في العوام محذراً من موسى عليه السلام بقوله :
“إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (غافر:26).

المشاريع العملاقة هي نتاجٌ لأفكار جبارة ربما كانت في نظر أصحابها يوماً خيالاً بعيد المنال، فهل كان يخطر في بال إنسان القرون الأولى أن يتحدث مع آخر صوتاً وصورة، وهما في أطراف الأرض المترامية؟!! وهل كان يحلم بالسفر دون توقف لساعات طويلة في طبقات الجو العليا، ليس هذا فحسب، بل ينام ويقضي حاجته وياكل، ويشرب، ويعقد اجتماعاته، ويصلي ويقرأ، ويكتب ويجري اتصالاته؟!!

إنها الأفكار التي ربما كان أصحابها في نظر المجتمع مجرد مجانين فقدوا عقولهم، ولنا أن نتذكر سلوك الكنيسة النصرانية مع العلماء والمفكرين، وسحلهم وقتلهم متقربين بذلك إلى الله بزعمهم.

الأفكار تظل حبيسة في عقول أصحابها، ثم تظهر على استحياء ثم تُجابه بالصد والعدوان، ثم تطير بأجنحتها لتصل إلى قوم يرعونها حق رعايتها، ويأخذون بها بقوة فتكون لهم بسببها الرفعة والمكانة، ولربما طارت الفكرة وتجاوزت الحدود والزمان فوقعت في تربة خصبة فاهتزت بها ابتهاجاً ورَبَت وأنبتت من كل شيء بهيج .

الديمقراطية فكرة، والعولمة فكرة، والتعايش فكرة، ووثيقة حقوق الإنسان فكرة، وغيرها أفكار ربما لا تروق للبعض، والبعض يرفضها بشدة، تماماً كما كان الناس يرفضون فكرة المساواة بين بلال بن رباح الحبشي، وعلي بن أبي طالب الهاشمي. لكن الزَّبد في النهاية يذهب جُفاءً وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

أي فكرة إنسانية قابلة للأخذ والرد، وقد تنجح في مجتمع دون آخر، وهذه أمور منطقية، ولكن المشكلة عندما تجابَه الفكرة على أساس أنها نبتت في الشرق أو الغرب، ونتجاهل أننا ننتمي إلى أم واحدة وأب، وأن الحياة خبرات بشرية تنتقل من جيل إلى جيل متجاوزة حدود الزمان والمكان والجنس والجنسية والدين واللغة .

لا أعتقد أننا بحاجة إلى مئات الصفحات للحديث عن الصدق والأمانة بقدر حاجتنا إلى ابتكار آليات نمارس من خلالها الصدق والأمانة، ونحاسب المخالفين لها .

نحن بحاجة إلى مفكرين ينهضون بالأمة، ويصيغون أفكارهم بعيداً عن قيود من سَبق، وقواعد وأصول من مضى أو نفَق.

لست مع الذين يبنون المستقبل على أشلاء الماضي، كما أنني لست مع الذين يديرون حاضرهم بعقلية من مضى من أسلافهم، ولا أرى بأن الانسلاخ عن الدين هو شرط للنهوض والتمكين ، ولست معنياً بالتسليم بأحقية الأسرة القرشية أو الهاشمية في الحكم والولاية، ولست متلهفاً لخروج المهدي، ولا أخشى المسيخ الدجّال.

أنا مع تربية الجيل على التفكير، ومحاربة الخزعبلات، والقداسات، وإشعال جذوة التفكير لتذيب بحرارتها المتوقدة كل جبال الجليد الوهمية الجاثمة على صدور الأمة المحمدية .

أمتنا اليوم بحاجة إلى مفكرين يوجهون اهتماماتهم إلى بناء الوطن، ويعكفون على تقديم رؤى وحلول تنهض بالأمة ، ولهؤلاء المفكرين أقول : ليس عليكم سوى إلقاء بذور أفكاركم، ورياح الخير كفيلة بحملها إلى الأرض الصالحة للزرع والإنبات .

9 فبراير 2019

4 تعليقات

  1. Avatar
    علي الخو لاني

    تعليقي اولا نحن اليمنيون دولة حضارة والمعروف كل الدول التي حولنا
    تحارب اليمن لانهم يعرفون انهم اقزام امام هذه الدولة التي انجبت العظماء
    على مدى التاريخ وانجبت الابطال والعلماء والمفكرين والمثقفين
    وانت على رأسهم يادكتور

  2. د. عبدالقوي القدسي
    د. عبدالقوي القدسي

    هلا بالحبيب ، حفظكم الله ورعاكم

  3. Avatar
    فهد مهيوب هزاع الجابري

    نتمى لكم التوفيق دكتورنا الفاضل

  4. د. عبدالقوي القدسي
    د. عبدالقوي القدسي

    بارك الله فيك أخي الحبيب