التربية على التفكير

التربية على التفكير Thinking-Based Learning د. عبدالقوي مكرد القدسي

التربية على التفكير

التربية الفكرية
د.عبدالقوي القدسي

استظهر البعض الكتب وغَدا قادراً على قراءتها عن ظهر قلب، وحقق أعلى الدرجات في المدرسة أو الجامعة، وأجيز في عشرات الأسانيد والمتون، فلماذا لم تشهد بلداننا تطوراً ونمواً؟!!!!

نحبس الطالب في مدارسنا (١٢) سنة، ونقرر عليه كتباً من شتى صنوف العلم والمعرفة، وننفق على تعليمه أموالاً طائلة، فلماذا لم نجد للتعليم أثراً حقيقياً في واقع الحياة؟!

التربية التقليدية الضيقة تهتم بالذاكرة على حساب التفكير، تطلق للسان العنان في الجدال والتحذلق بما في الذاكرة من معلومات، وتُقيّد العقل عن الحركة، والعمل،وتخنق التفكير والمشاهدة؛ ولذلك فالنتيجة المنطقية إعاقات فكرية، وتراجع في شتى جوانب الحياة، وإعادة إنتاج الماضي، والاكتفاء بترديد شعارات الخيرية، وتحقير للحياة، وعداء للأحياء .

إن الشيء الجوهري من التربية الفكرية هو تكوين المفكرين، وأولى خطوات إعداد المفكر تكون بتدريبه على الملاحظة والبحث والتفكير، وتوجيهه إلى كيفية التعلّم، لا إلى -مجرد- التعلم.

أُدرك -تماماً- بأن النظام التعليمي فيه تقييد لحرية المعلمين، والمدارس من ابتكار الجديد ، فالمدرسة لا تستطيع -على سبيل المثال- تغيير آلية الاختبارات، ولا تستطيع أن تهمل المحتوى المقرر، وإذا وضع المعلم سؤالاً من خارج الكتاب المدرسي انزعج الطالب وضجتً الأسرة، ولعل المدرسة تفتح محضر تحقيق للتحقق من تلك المخالفة.

رغم تقديري لكل ذلك لكنني أعتقد أن هناك مساحات يمكن أن نتحرك فيها في إطار هذا النظام، وبالذات في مراحل النقل .

عندما نكرر على المتعلم أحداث التاريخ والغزوات، ونطلب منه استظهار الدروس، وحفظها دون أن نشجعه على التفكير، والتحليل والنقد، والربط بالواقع المعاش فإننا نكون قد أهدرنا وقتاً دون فائدة، ويمكن اختصار المسالة بمشاهدة ممتعة لأحد الأفلام الموثوقة .

أكدت التربية الحديثة على أهمية العناية بتربية الفكر ، ودعت إلى تكوين “إنسان” لا إلى تكوين مُجرد “علّامة” يحمل هالة ضخمة من المعارف فوق جسم هزيل،
فالمعلومات والمعرفة -المجردة- لا تمنح صاحبها روح المبادرة والإبداع، ولا تزوّده بحسن التنظيم وروح القيادة، بل الراجح أنها تؤدي إلى إغلاق الفكر دون فهم الأمور البشرية .( فولكيه- المدارس الحديثة .تعريب عبدالله عبدالدايم).

الحياة تمضي بانسيابية وبعادة طبيعية، فيأتي المفكر بالجديد فيتحول المسار، ويحدث التغيير.

بأيدينا أن نربي أبناءنا كمفكرين يصنعون الأحداث بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها ويسهمون في الحضارة بدلاً من الاكتفاء بالتغني بحضارة الأسلاف، ويخرجون من عقلية نظرية المؤامرة إلى العمل الجاد لتجاوز كل ما يحتمل من استهداف أو مؤامرة ، وبأيدينا-أيضاً- أن نصنع منهم نسخاً مكرورة، وأن نقنعهم أنه :”ليس بالإمكان أكثر مما كان” وما ترك الأول للآخر شيئاً”. وللمجتمع الخيار!!!!!!

فكر الطفل أشبه بشمعة مشتعلة في مهب الريح ، يضطرب نورها دوماً “فينيلون”. ولذا فلا ينبغي أن نقف عند مجرد العلم، بل يجب أن ننتقل إلى دائرة التفكير، ويجب أن نتعامل مع أسئلة الطفل الخيالية بمسئولية عالية.

لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى التفكير، فقال:” أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت..” ، وقال:”قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْق ” ( العنكبوت:٢٠) وقال: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ” (آل عمران:190)
واختتمت العديد من الآيات بقوله: “لقوم يتفكرون..”” أفلا يعقلون..” واستنكر على أولئكم الذين يعطلون حواسهم عن النظر والتفكير حتى ساواهم بالأنعام فقال: “لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” (الأعراف:179).

تنسب للمفكر الفرنسي”ديكارت” عبارة ” أنا أفكر،إذاً أنا موجود” وقد أحسن في مقولته، فما قيمة الحياة بدون تفكير؟!!! وكيف يمكن أن ندرك عظمة الخالق بدون تفكر أو تفكير؟!!! وكيف نستطيع تحقيق خلافة الأرض بدون تفكير؟!!! وكيف نرتقي بحياتنا بدون تفكير؟!!!

الأحد ١٧ فبراير ٢٠١٩

اضغط هنا لقراءة المزيد من المقالات

2 تعليقان

  1. Avatar

    اعرفك وانت لازلت معلم . وبعد ان من الله عليك اصبحت دكتورا.جميل طرحك ولكنه لا يسمن ولايغني جوع المعلم الذي لم يشبع ابدا. فبدلا من ان تكون مقالاتك التنظيرية في مجتمع المدينة الفاضلة ارجو ان تركز على الادارة المدرسية و قمة الهرم التربوي المسؤول عن كل هذه العبثية في بلادنا اليمنية او العربية

  2. د. عبدالقوي القدسي
    د. عبدالقوي القدسي

    أهلاً بأخي الكريم ، أولاً أشكرك لتواصلك ، وثانياً : أدرك تماماً بأنك وجميع المعلمين يعانون من الوضع وأنات الجميع ليست خافية على أحد، ولكن هذا لا يمنعنا من الحديث عن طموحنا ، فأحلامنا اليوم ستكون حقيقة غداً ، وإن لم نتذوق طعمها اليوم فإننا حتماً سنتذوقها غداً بأفواه أبنائنا وأحفادنا، وأثناء الصراعات تأتي نظريات الطموح وأحلام المدرينة الفاضلة كما تفضلت ، وتصبح فيما بعد حقائق على الأرض . وفقك الله وإن كانت لديك عناوين لموضوعات ترى أنه من الأهمية طرقها فنتشرف بذلك .