التربية على القراءة الواعية ====== د. عبدالقوي القدسي

التربية على القراءة الواعية

التربية على القراءة الواعية
 د. عبدالقوي القدسي

القراءة هي الوسيلة لمعرفة ما تنتجه العقول من معارف وعلوم، وهي كذلك سبر لأغوار المعاني، واكتشاف لما في الحياة من ظواهر ولما في الكون من آيات.

لن أخوض في معاني القراءة، ولن أتحدث عن القراءة الجهرية أو الصامتة، ولن أرهق قرائي الأعزاء بمصطلحات كثيرة، وعوضا ً عن ذلك كله سأتناول موضوع القراءة من زاوية تربوية.

“اقرأ” هي أول أمر في القرآن، وهي مفتاح العلم والحضارة، ولا نعني بالقراءة مجردتصفح الكتب أو الجهر بحروفها أو المخافتة بها، فالتأمل في الكون قراءة، وقوة الملاحظة للظواهر الحياتية قراءة، والنظر في أحداث التاريخ، وتقلبات السياسة، قراءة أيضاً.

كم تقرأ أمة “اقرأ”؟!!
بحسب تقارير التنمية البشرية فإن عرب اليوم يقبعون في ذيل أمم الارض في معدل القراءة، فكل 80 مواطناً عربياً -تقريباً – اليونسكو ٢٠٠٣، يقرؤون كتاباً واحداً في السنة. في المقابل، يقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً ، والمواطن الإسرائيلي 40 كتاباً في السنة.

ماذا نقرأ؟!!
ومع أن نسبة القراءة في منطقتنا العربية متدنية إلا أن المخيف أيضاً هو نوعية القراءة، فغالباً ما يتجه الناس إلى قراءات متواضعة في الصحف، والمجلات أو ما يتداوله بعض الشباب من كتابات في العشق والهيام وأشعار الغزل والحب والغرام!!!!

ذات مرة نظرت إلى إحدى طالباتي، وكان الحزن يخيم عليها وعلامات الأسى بادية على محياها، فسألتها : ما الأمر؟!! فقالت : قرأت رواية أرعبتني، وأفقدتني صوابي وتركيزي، والفتاة لديها كل الحق، فالكثير من الكتب والروايات تهدم ولا تبني ، وتدمر الأخلاق والأوطان، وتبث في النفوس المخاوف وتضاعف الآلام، والسؤال أين دور الأسرة والمدرسة في التوجيه نحو القراءة النافعة والهادفة؟ وهل من المناسب إطلاق العنان لأبنائنا في قراءة ما هَبّ ودَبّ، كما يقال؟!

كيف نقرأ؟!!!

في مدارسنا يقرأ الطلاب ليحفظوا فيختبروا فينجحوا، وفي كثير من دور العلم يحفظ الطلاب الأسانيد، ويكتفون بالتحذلق بما يقرؤون، وترديد ما يقوله فلان وفلان دون وعي أو تفكير، وهذا يضيف إلى الأمية أمية جديدة، مغلفة بغلاف العلمية .

كيف ينبغي أن نقرأ؟
عمل القارئ كالنحلة ، تنتقل من زهرة إلى زهرة ، تمتص رحيقها وتصنع منها عسلاً، لا يَمت إلى هذه الأزهار بصلة، وبعبارة أخرى ، ينبغي أن تصحب القراءة بالتفكير وبروح النقد، وأن نسيطر على أفكار الكاتب بحكمنا الشخصي، وأن لا نُستعبد لها أبدًا” ( مونتيني ).

ليكن لديك من كل شيء شيء، ومن شيء كل شيء” عبارة جميلة تربي الناس على القراءة في كل العلوم لتحصيل المعرفة، والتعمق في التخصص لتطوير المهارة والخبرة.

” منذ أن تخرجت من الجامعة- قبل سنوات- لم أقرأ كلمة واحدة من كتاب في تخصصي”، هذه كلمات أحد الزملاء في التربية، وهذا النموذج يتكرر كثيراً، ومحزن جداً، ومثير للشفقة أيضاً!!!!

أبناؤنا والقراءة
أسأل طلابي عن إنجازاتهم وكم كتاباً قرؤوا بعد قضاء إجازتهم الصيفية، فتكون الإجابة ” لم نقرأ شيئاً ” !!!!!
لماذا؟! لأننا كمربين لسنا قدوات لهم في القراءة، ولو سألونا، كم نقرأ، وماذا نقرأ، لكانت الإجابة محرجة!!!!

ينجز الجادون قراءة العديد من الموضوعات والكتب أثناء السفر، ولحظات انتظار الحافلات أو القطارات، وأوقات الفراغ ، بينما يهدر آخرون الساعات الطوال في القيل والقال وأمام شاشات التلفاز، ووسائل التواصل الاجتماعي، ولو ألزم أحدنا نفسه أن يقرأ خمس صفحات في يومه لقرأ في الشهر كتاباً يحتوي 150صفحة.

هل تمتلك مدارسنا مكتبات؟! وهل لدينا برامج تدفع الطلاب إلى حب القراءة وليس إلى مجرد تعليم القراءة؟!!
وهل نرشد أبناءنا إلى الكتب النافعة، ونأخذ بأيديهم إلى القراءة الواعية ؟!!!

نحن بحاجة ماسة إلى أن نربي أنفسنا أولاً على القراءة، ثم نرشد أبناءنا إليها، ولا نكتفي بمجرد القراءة، بل نتوجه نحو القراءة الواعية الناقدة، مع الإشارة إلى ضرورة القراءة المنهجية المنظمة، فليس كل ما يُكتب جديراً بالقراءة، ولا ينبغي أن تكون قراءة أحدنا كحاطب ليل يلتقط كل ما يقع في يده ولا يميز بين الغث منها والسمين.

الثلاثاء ٢٦ فبراير ٢٠١٩

اضغط هنا لمزيد من المقالات