الإعلام الجديد، وصناعة الرأي العام ….. د . عبدالقوي القدسي

الإعلام الجديد، وصناعة الرأي العام

الإعلام الجديد وصناعة الراي العام
    د. عبدالقوي القدسي

……………………………………….
الأحد ٣١ مارس ٢٠١٩

نتلقى عبر هواتفنا المحمولة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي أو ما يعرف بـ”الإعلام الجديد” مئات، بل آلاف الرسائل اليومية في موضوعات مختلفة.

التدفق الهائل للمعلومات له تأثيره في صناعة الرأي العام، وبالذات عندما تكون تلك المعلومات تحت عنوان واحد أو صادرة من مطابخ متخصصة .

الرأي العام هو في جوهره موقف يتخذه الفرد أو الجماعة، نتيجة حادثة أو مشكلة أو تغيير يحدث في سياقات الحياة المعاشة.(النواعير،الراي العام بين التضليل والتغيير)

تكوين رأي عام حول قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وما شابَهَ ذلك يقع على كاهل النُّخب والعقول المفكرة في أي مجتمع، وإذا ما فقدت تلك النخب تأثيرها، فإن المجتمعات تكون عرضة للتوجيه الخاطئ عبر جهات مشبوهة أو ذات أجندة مغايرة لطموح المجتمع، وتطلعات أبنائه، فالحقيقة تتوارى وتنزوي في ظل دخان الزيف الكثيف المرتفع والمتعالي.

لم يعد الرأي العام نتاجاً للنقاش الحر العقلاني، بل أصبحت تصنعه الدعاية فتحولت العقلانية التواصلية التي تأسست عليها الحداثة إلى عقلانية استراتيجية تحكم الفضاء العمومي، وجعلت منه مجالاً لممارسة التسويق السياسي والدعاية والإشهار التجاري.( بلقيز وآخرون، الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم).

نتلقى- بسذاجة- كل ما ينشر، وننشر كل ما نتلقاه، نُصدق كل شيء ولا نتأكد من شيء، نتحمس لتسويق ما يتوافق مع ميولنا ويوافق هوى أنفسنا بغض النظر عن جودة المنتج ومصداقيته. ندافع بجميع أسلحتنا المتاحة عن الأخبار الواردة من الحزب أو الفئة أو الجماعة دون أدنى تحقيق أو موضوعية.

أَن تَرُصّ مجموعة من الكلمات ثم تنشرها دون الإشارة إلى مصادرها أو التأكد من مصداقيتها هو أمر هيّن يسير، ولكن المهنية والمصداقية حرفة لا يجيدها أصحاب العاهات الفكرية المزمنة أو المحترفون للنسخ واللصق !!

أحياناً أحاول التأكد من معلومةأو خبر، فأتواصل مع المرسل فإذا بالمفاجأة: المرسل لا يعرف شيئاً عنها!!! إنه نَسخَ ونشر ، وربما أعاد نسخها باسمه لتكتمل حلقات التزوير والتضليل أو اكتفى بتذييلها بكلمة:”منقول”.

بين الحين والآخر نسمع عن وفاة شخصية مشهورة، ثم يظهر حياً يُرزق، ونتلقى صوراً لمجازر مروعة حول حدث ما، فنكتشف بأنها صوراً من الحرب العالمية الأولى ، وبين الحين والآخر تظهر مقاطع فيديو لتدعم فكرة معينة فإذا بتلك المقاطع مفبركة أو مجتزأة مسلوخة عن سياقها .

هناك جهات تقف وراء تضليل الرأي العام، وتسترزق من خلال ذلك، وهناك من ينشر ويتحمس، دون أن يكون له في الأمر ناقة، ولا جمل، كما تقول العرب!!

الذباب الإليكتروني هو أحد أبرز إفرازات الإعلام الجديد، وهو- بحسب الموسوعة الحرة- مصطلح يعبر عن استخدام الحسابات المزيفة بكثافة في اتجاه معين، سواء للدفاع عن وجهة نظر معينة، أو الهجوم على وجهة نظر أخرى مغايرة، وهذا ما يقع ضحيته الكثير من مدمني وسائل التواصل الاجتماعي.

أجد تبريراً منطقياً لنشر التضليل من “الذباب الإليكتروني” أو أصحاب المصالح، فهم يتقاضون نتيجة ذلك أرزاقاً عاجلة أو آجلة،تشبه ما تتقاضاه البغي على عهرها، وبئست تلك الأرزاق!! ولكنني لا أجد أدنى عذر لمن يتبرع في نشر التضليل أو الخداع أو الدجل ويخرج من المولد بلا حُمّص- كما يقال- وكثيرٌ ما هم !!!

لنتخذ خطوات عملية لمقاومة الأخبار والمعلومات المضللة ، كالتالي:
١- لا تنشر- ناهيك عن أن تُصدّق- كل ما يصل إليك من أخبار، خصوصاً ما تتضمن صراعاً بين الخصوم .
٢- تأكد من مصداقية الصورة وتاريخ الفيديو ولا تنشر كل ما يؤجج الكراهية .
٣- لا تشارك في نشر أي معلومات غير موثقة، أو مقاطع لا أخلاقية.
٤- ناقش، وحاور بعقل، ومنطقية بعيداً عن العاطفة والآيدلوجية أو الانطباعات والأحكام المسبقة .
٥- ليس هناك إعلاماً محايداً، هذه القاعدة ستريحك كثيراً عند التعاطي مع الأخبار.

في ظل الفضاء المفتوح نحتاج إلى عقول “مفَتّحة” ترفض “المزيف” وتقبل بـ “الحقيقي”، ترفض التمزق وتؤمن بالوحدة، تكبح الخبر الكاذب ولا تسهم بنشره، تترفع عن المناكفات وتوجه الفكر نحو التوافقات .

اضغط هنا لقراءة المزيد من المقالات