التهيئة النفسية وتأثيراتها الإيجابية والسلبية د.عبدالقوي القدسي

د.عبدالقوي القدسي
  د.عبدالقوي القدسي

التهيئة النفسية، وتأثيراتها الإيجابية والسلبية
الأحد 19 مايو 2019

تهيأ فلان للعمل استعد له، وأخذ أهبته (معجم المعاني)، والتهيئة في علم النفس تعني زيادة الحساسية تجاه مثير معين ( وافي،تحليل الإطار الإعلامي).

أي فعل يقوم به الإنسان وأي قرار يتخذه يجب أن تسبقه تهيئة نفسية، إذ أن اندفاع الشخص نحو عمل معين لا يمكن أن يكون بدون دافع أو حافز ولا يمكن أن ينشأ من فراغ.

الصلاة والصيام والزكاة والقيام وسائر الطاعات لا بد بأنها مسبوقة بنية التقرب إلى الله، وغاية المسلم إرضاء الله، والفوز بجنة عرضها السموات والأرض، وهذا وحده يكفي حافزاً .

“هيئ نفسك” عبارة تختصر الكثير من المعاني، فإذا أقدمت على سفر فهيئ نفسك بأن الأمور ستكون طيبة، وبأن الرحلة ستكون آمنة ممتعة، وإذا تقدمتَ لوظيفة أو اختبار فهيئ نفسك بأن التوفيق سيكون من نصيبك، وإذا قررت الزواج فهيئ نفسك بأن المرأة التي سترتبط بها ستكون مصدراً لسعادتك، وهيئ نفسك أيضاً أنه إن حدث خلاف ما ترجوه فهو خير كذلك، فهذه التهيئة ستجعلك مستعداً للتعاطي مع كل الأحداث برَويةٍ وِمنطقية، وفي صحيح مسلم :” عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”.

إذا اعتقد الإنسان بأنه هالك لا محالة فقد اختار الهلاك لنفسه، وأما إذا ظن بأن له رباً كريماً يقبل التوبة ويغفر الذنب فإن هذا الظن كافٍ للنهوض به بعد الكبوة، والإبصار بعد الغفلة، وفي الحديث القُدسي في صحيح مسلم :” أنا عند ظن عبدي” ، وزاد ابن حبان في صحيحه “إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ”.

إذا اقتنع الطالب بأنه غبي فإنه سيعجز -على إثر ذلك- من القيام بأي شيء، وإذا بَرْمَج الإنسان عقله على فِعل الخير أو الشر فإن تلك التهيئة كافية بالمضي به قدماً نحو عمل الخير أو الشر .

هناك صنف من الناس كلما حاولت أن تفتح له آفاقاً للتفاؤل أدخلك في غياهب التشاؤم؟!!! هذا الصنف ينظر إلى الناس بأنهم جميعاً هالكون والحقيقة بأنه هو الهالك، وقد صح عن نبينا : “إذا سمعت الرجل يقول : هلك الناس ، فهو أهلكُهم ” . أهلكهم بفتح الكاف وضمها، والمعنى على رواية الرفع: فهو أهلُكهم أي: أكثرهم هلاكاً، وهو الرجل يُولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجباً، ويرى له عليهم فضلا. [ابن الأثير، النهاية].

البعض لا يحسن النظر إلا إلى الجوانب السلبية فلا تقع عينُه إلا عليها، لكنها تَعمى عن رؤية الجوانب الإيجابية الغالبة، وما أعظم قول الله :«لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم » ( النور:١١) تعقيباً على حديث الإفك والخوض في عرض نبينا محمد(ﷺ)؟!!![ابن كثير]، وما أجمل القاعدة الربانية «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون»َ (البقرة:216).

إذا تهيأ الإنسان للقبول بامرأته فإنها ستصبح في عينيه أجمل امرأة حتى وإن كانت على خلاف ذلك، ومن ثمّ فستصبح أعمالها غاية في الجودة وإن اعتراها الخطأ، والعكس صحيح، وما أحسن قولَ الشافعي:
وعينُ الرضا عن كل عيب كليلةٌ…ولكن عينَ السخط تُبدي المساويا.

عندما سُئل قيس عن سبب حبه ليلى، وهي ليست جميلة أجاب : ومن منكم يرى ليلى بعيون قيس؟!!! وقيل بأن رجلاً أحب امرأة سوداء فأنشد قائلاً: أُحب لحبها السودان … حتى أحب لحبها سُودَ الكلاب.

يترقب البعض أن تصيبه مصيبة، أو تحل عليه قارعة ، فيعيش عذاب الترقب والقلق، ولا علاج له -والحال هذه – سوى حدوث ما يترقب، بينما لو نظر إلى الأمور بإيجابية وحسن ظنٍّ بالله وبأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فلربما ارتفع عنه البلاء أو عاش مرتاحاً مطمئناً بإيمانه فإذا حل البلاء قابَل ذلك بالصبر والرضا، والفرق بين الحالين كبير، والبون شاسع.

إذا هيأت نفسك بأن رمضان هو شهر السّهر ليلاً والنوم في النهار فسيكون ذهابك إلى العمل صباحاً أمراً في غاية المشقة، وإذا تعاملت مع رمضان كموسم أو بَازار للطاعات، وعمل الصالحات فستعود إلى حالتك السابقة فور انتهاء ذلك الموسم، وأما إذا نظرت إلى رمضان بأنه دورة مكثفة للتدريب على كل معاني الخير والتزود بالطاعات فإنك ستنجح في الاستمرار على فعل الخير والتزام الطاعات سائر أيام العام .

اضغط هنا لقراءة المزيد من المقالات