التربية النفسية د.عبدالقوي القدسي

د.عبدالقوي القدسي
  د.عبدالقوي القدسي

تنشد المجتمعات الإنسانية إحداث التوازن في مجالات الحياة المختلفة، وهي تعي -تماماً- بأن ذلك التوازن لا يمكن تحقيقه إلا إذا تمثَّل به الأفراد. و”التربية النفسية” جزء أصيل من منظومة تربوية تهدف في محصلتها النهائيةإلى إيجاد التوافق بين مكونات الإنسان الروحية، والجسدية من جهة، وبينه وبين المجتمع من جهة أخرى.

“التربية النفسية” ليست علاجاً يُصرف لمرضى يعانون من اضطرابات جسيمة في وظائف العقل، و التفكير،أو علاجاً لحالة الفصام “الانفصام العقلي”( Schizophrenia)، وإنما هي حاجة إنسانية تُلازم الإنسان منذ ميلاده، وحتى وفاته .

عندما تطرق سمع الطفل كلماتٌ تعبر عن كراهية الأسرة لأحد الجيران مثلاً، فإنه لن يتردد يوماً – إن سنحت له فرصة- أن يؤذي ذلك الجار بدون وعي؛ تعبيراً عن تضامنه مع أهله وتنفيساً عن بركان كامنٍ ينتظر المثير ليثير على من حوله حمماً من النار.

تَعْمد بعض الأمهات إلى ضرب وليدها، والصراخ في وجهه لمجرد بكائه، ولا تدرك تلك الأم الخرقاء بأن البكاء هي لغة الطفل في أيامه الاولى، وبأنها بذلك التصرف الأرعن ترتكب حماقة لها تداعياتها النفسية في المستقبل.

الخلافات الأسرية بين الزوجين ضربة قاصمة لنفسيات الأولاد، وبالذات عندما تصبح أمراً يومياً ومعتاداً، فَشتمُ الزوج لزوجته، وتحقيره لها ولأهلها أمام الأبناء، ولمْزُها بالغباء -على سبيل المثال- يصيب تبجيل الأولاد لكلا الأبوين بمقتل، ولربما اقتنع الأبناء- يوماً-بأنهم يعيشون في ظلّ أسرة طرفاها أمٌّ غبيةٍ ، وأبٌ أرعن !!

اختلف رجل مع زوجته، فأرسل إليها أخاه ليأمرها بأن تغادر المنزل، فاختار الأخ أقسى العبارات لإيصال الرسالة.ارتفع صراخُ المرأة أمام صبيتها، حتى ردّد أحد أبنائها، والعبرات الحارة تشق طريقها من عينيه البريئتين لتغطي صفحة وجهه الشاحب، قائلاً بصوت حزين:”يا ليت أمي لم تلدني”، أليس مثل هذا التصرف يضرب نفسيات الأبناء بمقتل؟!!!

الطلاق هو قرار أحمق يكتوي بناره الأبناء الأبرياء، فإن أعقب ذلك تبادل اللعنات، والشتائم بين الأبوين حلّت الكارثة، وتناثرت شظايها في جنبات حياة الأبرياء من البنين والبنات.

عندما يدخل المعلم قاعة الدراسة مبتسماً متفائلاً فإنه يبث خيوط الاطمئنان والرضى، والسعادة بين تلاميذه، بينما يُصاب العديد من المتعلمين بالكآبة لرؤية المعلم الذي لا يكاد يطأ برجله عتبة قاعة الدراسة حتى يبدأ بالتذمر، والشكوى، ويستدعي قصص المعاناة، ويرسم على اللوح الأسود صورة أشد قتامة وسواداً .

يُحجم البعض عن الذهاب إلى الطبيب النفسي حتى لا يتهمه الآخرون بالجنون، وهذه نظرة مغلوطة تقلل من شأن “التربية النفسية”، وتحول بين المعاناة والعلاج، وتطيل أمد المعاناة، وسوء الأحوال.

الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، ولذا فإن المجتمعات التي تنشد الحضارة، وتسعى لاستكمال جوانب القوية تولي جانب ” التربية النفسية” اهتماماً خاصاً.

يظن البعض بأن احتساء كمية كبيرة من الدخان يخفف القلق، ويغفل في المقابل عن دور المؤثرات الروحية كالصلاة، والصيام وقراءة القرآن.

إننا ننشد مجتمعاً تتكامل فيه جوانب الصحة، لتتوجه قوى أبنائه نحو البناء والعمل، متجاوزين كل الأزمات النفسية التي خلّفتها الصراعات والحروب، ولعلنا اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة التأهيل النفسي لأبنائنا، ليتخلصوا من شحنات العداء الهائلة، وروح الانتقام ، ولغة الموت، والكراهية.

الحروب هدمٌ لكل معاني التسامح، وإيقاد لنار العداوة والبغضاء، ولذا فإن من أهم ما يجب أن تقوم به المؤسسات التربوية بعد أن تضع الحرب أوزارها هو إعادة التأهيل لكل المعاقين نفسياً من كل أطراف الصراع، ومع أن هذه المهمة ليست هيّنة إلا أنها في غاية الأهمية، وهي خطوة في طريق الاستقرار المجتمعي وتجاوز آثار الصراع والدمار.

تم نشر المقال الجمعة ١٤سبتمبر ٢٠١٨ في صفحة الكاتب facebook 

yecm يعيد نشر المقال