التعليم المحنط د.عبدالقوي القدسي

التعليم المحنط
د.عبدالقوي القدسي

الثلاثاء ١١ يونيو ٢٠١٩

عندما نتحدث عن التحنيط فإن الذهن ينصرف تلقائياً إلى عملية الحفاظ على جثث الموتى باستخدام طرق مختلفة لأسباب طبية أو اعتقادية أو تزيينية وغيرها .

ما علاقة التحنيط بالتعليم؟!
يرى إدريس أُوهلال في كتابه قواعد الحزم أن المدرسة لا تُعَلم المعرفة الحيّة وإنما تُعلم معرفة محنطة، ويعُد المدرسة أسوأ اختراع في تاريخ البشرية، وكل شيء في المدرسة فاقد للمعنى؛ لأنه تم إخراجه عن سياق الواقع الحي، وسياق واقع الحياة .

نتفق جزئياً أو نختلف في تقييمنا للمدرسة، وهل هي أسوأ اختراع بشري أم أنها أحسن اختراع، لكننا ربما نتفق على أن منظومة التعليم في بلادنا العربية عموماً، وفي اليمن على وجه الخصوص قد أحاطت بها عناصر الفشل وأفقدتها الحياة، ولا زلنا بوسائلنا الرتيبة محافظين على هياكل بالية، وارتضينا بالتحنيط حلاً لمشكلة الموت الحقيقية.

“التعليم المحنط” يظهر جلياً في اعتماد السلم التعليمي القاتل للمواهب وغير المعترف بالخبرات والذي يتعامل مع صور لا حقائق وشهادات لا خبرات، والسؤال هنا: لماذا يجب على الطالب أن يقضي اثنتي عشرة سنة في التعليم العام وأربع سنوات في الجامعة وسنوات أخرى لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه؟!!! وهل عصرنا اليوم- عصر التكنولوجيا – يمكن أن ينتظر هذه السنوات للتعامل مع المتخرجين ؟!!

لماذا تربط الدولة الوظائف بالشهادات النظامية؟! ولا تربطها بالخبرات العملية ؟
كنت مع بعض الأكاديميين في حوار جاد، فقال أحدهم : يمكن أن نقدم برنامج السنوات الأربع الجامعية على شكل مجموعة حقائب تدريبية نظرية وعملية، وخلال أشهر يمكن رفد المجتمع بمتخصصين ناجحين، وهو محق في ذلك، أفلا يكون السلم التعليمي إذاً تحنيطاً للتعليم ؟!!!!

“التعليم المحنط” يظهر جلياً في أساليب تقويمه، ونمطية اختباراته، وكأنها قرآن منزل أونصوص مقدسة، فحتى يجتاز الطالب مستوىً دراسياً -بناءً على النظام التعليمي المحنط- لا بد له من خوض اختبارات عبثية ليس لها من وظيفة سوى منح الشهادات الزائفة .

هل المبدعون في العالم اليوم ، والمؤثرون في الحياة هم نتاج تعليم رسمي رتيب؟ أم أنهم منطلقون بدون حدود أو قيود ؟ وهل الشركات المحترمة تُفضل صاحب شهادة عليا قضى في التعليم بضعاً وعشرين سنة أم أصحاب الخبرة العملية ولو كانت سنتان أو حتى سنة؟!

لا يستطيع الطالب بعد اثنتي عشرة سنة في التعليم النظامي أن يقرأ آية من القرآن بدون أخطاء بينما يستطيع حفظ كامل القرآن في بضعة شهور خارج المدرسة، ولا يستطيع طالب المدرسة النظامية أن يتحدث لمدة دقيقة أو دقائق باللغة الإنجليزية أو حتى العربية بينما يستطيع الطالب في بعض معاهد اللغة أن يتحدث بطلاقة بعد بضعة أشهر، أليس في ذلك دليل على أننا اكتفينا بمظهر التعليم وأغفلنا حقيقته؟!!

“التعليم المحنط” أنتج جهلاً ولا يزال، وأفرز أشباه متعلمين لا يصلحون إلا لتولي الوظائف، وليس الذنب ذنبهم ولكن الذنب متعلق بنظام التعليم المهترئ، وغياب الرؤية والهدف عن صانعي القرار ومصممي السياسات التعليمية.

هل نستطيع أن نبدأ بخطوات عملية تدريجية في تجاوز المشكلة؟!! وما الذي يجعلنا مقيدين عن إحداث أي تغيير أو تطوير في أنظمتنا التعليمية؟! هل منظومة التعليم القائمة بناء مقدس “كالكعبة المشرفة” لا يجوز نقضه أو اعتماد بديل مناسب عنها؟!! هل من خطوات جريئة في بلادنا العربية لإحداث نقلة تعليمية نوعية؟! نأمل تحقق ذلك ولو بعد حين.

لمزيد من المقالات التربوية زورا موقعنا 

2 تعليقان

  1. Avatar
    صالح المزلم

    ماشاءالله مقال يلامس الواقع بارك الله فيك يادكتور

  2. د. عبدالقوي القدسي
    د. عبدالقوي القدسي

    هلا بالمبدع صالح المزلم ، وبارك الله فيك