المدارس الأهلية في اليمن

المدارس الأهلية في اليمن، القشة التي قصمت ظهر التعليم د.عبدالقوي القدسي

المدارس الأهلية في اليمن
د.عبدالقوي القدسي

صدر قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم(١١) لسنة ١٩٩٩ بشأن تنظيم مؤسسات التعليم الأهلية والخاصة، وكان صدور القرار إذ ذاك استجابة لتزايد الطلب على التعليم، وعجز الدولة عن استيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، وكذلك إتاحة المجال للقطاع الخاص في أن يسهم في التنمية في مجال التعليم .

في ظل تدني التعليم في المدارس الحكومية وعلى إثر قرار الحكومة اليمنية إلغاء ما كان يُعرف بالمعاهد العلمية يمّمت أعدادٌ كبيرة وجهها صوب المدارس الأهلية، واندفع العديد من أصحاب رؤوس الأموال إلى السوق الجديد الذي فتح بابه على مصراعيه، وظهرت في فترة وجيزة أعداد كبيرة من المدارس الأهلية، ثم انتشرت في الأحياء السكنية كانتشار البقّالات أو الحوانيت الصغيرة .

يخطئ البعض في إطلاق تسمية”المدارس الخاصة”على المدارس الأهلية، فالقانون العام للتربية والتعليم يعتبر المدارس التي تنشأ من قِبَل أفراد أو شخصيات اعتبارية (شركات ومؤسسات ..الخ) وتدار وتُمول من قبلهم هي مدارس أهلية، بينما مؤسسات التعليم الخاصة هي التي تنشأ من قبل أفراد أو شخصيات اعتبارية بغرض تعليم أبناء الجاليات المقيمين داخل الجمهورية وتُدار وتمول من قِبلهم .

هل أسهمت المدارس الأهلية في الدفع بالتعليم إلى الأمام أم أنها كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال في المثل؟!!!!

المدارس الأهلية في اليمن إلا ما ندر لا تنطبق عليها أدنى شروط منح الترخيص، فلا فصول موائمة، ولا مساحات كافية، ولا مرافق، ولا خدمات، ولذلك فلا غرابة أن تجد مطبخاً ، أو مَمراً أو حتى دورة مياه أصبح بقدرة قادر فصلاً دراسياً في مدرسة تسمي نفسها : “نموذجية” أو “حديثة” أو “دولية”.

لماذا تتساهل وزارة التربية في منح التراخيص؟!
غياب الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية عامل كبير يقود إلى التساهل كما يقول البعض، ولكن هناك أسباب أخرى، ويأتي على رأسها- من وجهة نظري- دخول الكثير من مدراء المدارس الحكومية، ومكاتب التربية، والنافذين سوق الاستثمار كشركاء أو منفردين، وقد قيل : من كان غريمه القاضي، فمن يُشارع؟!!!!

دخول بعض النافذين في التربية كشركاء في المدارس الأهليه وفّر لها الغطاء، والحماية فتجاوزت النظام، ولم تلتزم بالمعايير ولا القانون، فقد اكتسبت بهؤلاء القوة وآوت إلى ركن شديد.

المدارس الأهلية في اليمن أكسبت الطلاب قيماً غريبة عن ثقافة المجتمع ، فالمعلم المُهاب لم يعد فيها مهاباً، بل أصبح بقاؤه في المدرسة مرتهناً برضى الزبون، وكثرت مشكلات الطلاب والطالبات في ظل غياب الرقابة، والرسالة التربوية، وغلبة هدف الاستثمار، وبعقلية التاجر أحيلت الكثير من المدارس إلى متاجر!!!

لماذا يلجأ الناس إلى المدارس الأهلية، ويدفع بعضهم دَم قلبه لتوفير الرسوم الدراسية، على الرغم من أنها من حيث المباني والإمكانات لا تظاهي أبداً المدارس الحكومية؟!
ولماذا يتسابق البعض إلى المدارس الأهلية في اليمن بينما في باقي دول العالم لا يذهب إليها إلا المضطرون من الناس من الذين لم يجدوا فرصة للتسجيل في المدارس الحكومية؟!!

غياب النظام والانتظام في الدراسة بسبب الإضرابات المستمرة، وانقطاع رواتب المعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية أدى إلى تسرب المعلمين إلى المدارس الأهلية، ولم يترك للآباء خياراً آخر، فإما أن يكافح من أجل ضمان تعليم لأبنائه، ولو في حده الأدنى وإما أن يقبل بالأوضاع المزرية في المدرسة الحكومية، “خياران أحلامها مُرُّ” .

في المدارس الأهلية إلا ما ندر تُصرف الدرجات بغير حساب، فالعلم لمن أراد، وأما الشهادة للجميع، والأهم هو الحفاظ على الزبون!!

على بوابات المحاكم تجد من يتلقاك فيهمس في أذنك على استحياء : “شهادة.شهادة” يعني تريد أشهد لك في القضية “، على قاعدة: “شاهد مشفش حاجة” وبقدر الدفع تكون قوة الشهادة أو ضعفها، وأما شهادات بعض المدارس الأهلية فيُعلن عنها، ولا همس ولا حياء، وتقدم في مهرجانات وأمام السادة الوزراء !!!!

المدارس الأهلية في اليمن كسرت احتكار التعليم فاستوعبت الكثير من غير التربويين،وفضلت ومؤهلات الثانوية العامة لأنهم يتقاضون مرتبات زهيدة ويقومون بأداء المهمة ، ولا يجب أن نسأل عن الكيف؟ فالسؤال عنه بدعة في قانون المدرسة الأهلية!!

المدارس الأهلية في اليمن إلا ما ندر تستغل حاجة المعلم اليمني فتبخسه في الراتب، وتُذله في الدوام، وتهينه أمام الزبون وتطرده إن أغضبه، أو تمادى فرفع صوته عليه أو هَمّ أن يؤدبه، وتحرمه من راتب إجازة نهاية العام ، ومن أبسط حقوقه المادية والمعنوية، ولا قانون يردعها، ولا عرف، أو ضمير .

المدارس الأهلية في اليمن إلا ما ندر ، تُبدع في الدعاية الإعلامية وتبرز في وسائل التواصل الاجتماعي بشعارات التواضع : “لسنا الوحيدين ولكننا الأفضل”، وتبدع في تذييل أسمائها بالنموذجية أو الحديثة أو العالمية، وهي -في الحقيقة- ليس لها من كل ذلك إلا الأسماء والظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً!!!!

المدارس الأهلية اليمنية إلا ما ندر تبدع في تحصيل الرسوم وتوقيف الطلاب عن الاختبارات وإخراجهم من القاعات الدراسية ومضاعفة الرسوم عاماً بعد عام ، وقضاء أيام الدوام إعداداً لحفلة نهاية العام أو تزيين الفصول، والرسم على الجدران .

إلى القائمين على التربية والنافذين، لماذا ترسلون أولادكم إلى مدارس أهلية وتتركون المدارس الحكومية؟! ولماذا ترسلون أولادكم إلى التعليم في المدارس الدولية وتدفعون آلاف الدولارات، وتعجزون عن دفع رواتب المعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية؟!!!

المدارس الأهلية في اليمن في ظل غياب الدولة والقانون هي إحدى كوارث البلاد التي شوهت صورة التعليم، وحرفت بوصلة التربية، واستغلت وضع البلاد، ووسعت من شبكة الفساد، مع تقديرنا واحترامنا لبعض تلك المدارس التي تدخل في قولنا :”إلا ما ندر” .

السبت ١٥ يونيو ٢٠١٩

#صورة مع التحية للأخ معالي وزير التربية

اضغط هنا لزيارة موقعنا وقراءة المزيد من المقالات