ظاهرة الغش في الاختبارات، أين تكمن المشكلة؟ د.عبدالقوي القدسي

ظاهرة الغش في الاختبارات
د.عبدالقوي القدسي

الأحد 16يونيو 2019

لا تزال اختبارات نهاية المرحلة الثانوية في بلادنا، وفي بعض بلدان العالم الثالث تحظى باهتمام كبير، وتحاط بهالة، وقداسة تدعو إلى الإحباط واليأس في زمن تعددت فيه وسائل التقويم والقياس.

أصبح بمقدور الطالب اليوم أن يؤدي الاختبار من منزله Online ، أو مستعيناً بالكتاب في اختبار الكتاب المفتوح (Open book exam)، وأبدعت الكثير من الدول والجهات التعليمية في تصميم اختبارات أكثر كفاءة ودقة، ومرونة في المكان والزمان، وسرعة في التصحيح كنظام “بنك الأسئلة” عبر الحاسوب .

يتحدث الكثيرون في كل عام عن الغش كظاهرة لم تعد غريبة على المجتمع، ويتفنن الطلاب في ابتكار أساليب الغش، ولربما تشاركهم في ذلك أطراف أخرى.

هل يجب أن نلقي باللائمة كلها على الطالب الغاشِّ؟ وهل يسهم المجتمع بمؤسساته المختلفة في توسيع رقعة الغش؟ وهل المزيد من الإجراءات الأمنية كفيلة في القضاء على الغش ؟!

المشكلة أكبر من أن يناقشها مقال، فالمجتمع ـ من وجهة نظري ـ قد غش الطالب قبل أن يلجأ الطالب إلى الغش، فعندما اقتصرت مؤسسات التعليم على الاختبارات الوزارية بآليتها الحالية كوسيلة وحيدة للتقويم، وتجاهلت وسائل القياس الأخرى فقد ألجأت الطالب إلى الغش بُغية تحقيق النجاح حتى وإن كان ذلك النجاح مغشوشاً، وعندما يطارد شبحُ الرسوب الطالبَ فإنه يلجأ بقوة إلى الغش، وقد قيل:” الغريق يتمسك بقشة” .

هل سيلجأ الطالب إلى مجرد التفكير بالغش عندما يعرف بأن مؤسسات التعليم تهتم بمدى تعلمه، وتقدُّمه في المادة الدراسة، وليس بالدرجات التي ترتسم على ورقة الاختبار؟! وهل سيكون الطالب مضطراً للغش، أو قادراً عليه عندما يكون مقياس نجاحه في المواد الدراسية قدرته على تطبيق ما تعلمه في واقع الحياة ؟!

هل يستطيع الطالب أن يغش عندما يستدعيه المعلم لقراءة آيات من القرآن لاختبار إتقانه للحفظ والتلاوة، أو يلقي قصيدة من الشعر أو مقطوعة أدبية لاختبار بلاغته وتمكنه من اللغة، سواء كانت عربية أو أجنبية؟! وهل بإمكان الطالب أن يستعين بما يسمى بـ ” البراشيم” عندما يكون نجاحه مرتبطاً بتنفيذ تجربة عملية في المختبر أو القيام بأداء عملي كدليل وبرهان على اكتسابه مهارة من المهارات ؟!

عندما يتم تجاهل قياس المهارات المختلفة من تطبيق، وتحليل، وتركيب، وتقويم، والاقتصار على مستوى الحفظ، أو الحفظ والفهم في أحسن الأحوال، وعندما يتم تجاهل أعمال الطالب ومشاركته، ونشاطه خلال العام، ويتم في المقابل ربط مصير نجاحه ورسوبه باختبار آخر العام ، عندما يحدث كل ذلك فإن الطالب سيستحضر القاعدة الميكيافيلية “الغاية تبرر الوسيلة” وينطلق إلى الغش بكل قوة؟!!

يلاحظ أبناؤنا بأن الكثير من الفاشلين هم الذين يتصدرون المشهد، ويوجهون دفة الحياة فيعتقد الكثيرون منهم بأنه لا جدوى من تلك الاختبارات، ولسان حالهم يقول: ماذا فعل أصحاب الشهادات والمؤهلات من المتفوقين والمتفوقات؟!!

هل يدرك المجتمع بأن رشوة بعض اللجان الاختبارية، وبالذات في القرى، والتنسيق معها لإتاحة الغش جريمة تقود البلاد في المستقبل إلى الهاوية ؟!

تهتم الجهات المسؤولة عن الاختبارات بالشكل لا المضمون ، فتسعى إلى الحفاظ على سرية الاختبارات وتشكيل اللجان الفرعية، واللجنة العليا، وتحرص على الأختام في واجهة المظاريف، وتشميع المظاريف، وتصحيح الإجابات، ولكن المجتمع يتفاجأ بتسرّب الكثير من الاختبارات، ويصيبه الذهول عندما تتزين نتيجة الطلاب بنسبة التسعينات رغم كل ما تمر به البلاد من ظروف، وما يحدث خلال العام من توقف عن الدراسة وإضرابات!!

رغم كل الإجراءات الشكلية والأمنية التي ترافق عملية الامتحانات إلا أنها فشلت في الحد من ظاهرة الغش، ولعلي أُرجع السبب إلى أننا لم نعالج جوهر المشكلة واكتفينا بمظهرها.

عندما يدرك الطالب بأن جهده وتعلمه هو الذي يسمح له بالتقدم في المستويات الدراسية بحسب قدراته العقلية، فإنه لن يذهب إلى الغش لأنه في كل الأحوال ناجح، وعندما تؤدي المؤسسات التعليمية دورها في تطوير وسائل التقويم، وتحسين المخرجات التعليمية فإننا سنقضي على ظاهرة الغش.

بإصرارنا على بقاء نظم التعليم كما هي دون تطوير، وببقاء وسائل التقويم بشكلها البدائي فإننا ندفع أبناءنا دفعاً للغش في الاختبارات، ومن ثم سيندفعون في مؤسسات المجتمع مستقبلا،ً ولن يتورعوا عن الغش في كل مرفق .

إن المباني العملاقة ستنهار يوماً إن كان أساسها مغشوشاً، وكذلك المجتمعات مهما كان لها رصيد حضارة، وقوة فإن مصيرها إلى الدمار إن بُنيت تلك الحضارة على الغش.

تفضلوا بزيارة موقعنا