المراقبة في الاختبارات د.عبدالقوي القدسي

المراقبة في الاختبارات
د.عبدالثوي القدسي

بغض النظر عن وجهة نظرنا حول جدوى الامتحانات النهائية بصيغتها الحالية في بلادنا، إلا أننا نناقش واقع المراقبة أو الملاحظة المرافق لسير عملية تلك الامتحانات .

يُفتَرض بالملاحظين في قاعة الامتحانات أن يكونوا قد هُيئوا لأداء وظيفتهم ودُربوا على مهامهم بحيث يسهموا في إنجاح رسالتهم، فهل تنعقد درات تأهيلية للملاحظين أو ما يُعرف بالمراقبين، ومدراء المراكز الامتحانية قبل تنفيذ الامتحانات وتحديداً الوزارية؟!

هل دور مراقب قاعة الامتحان أن يرصد حالات الغش؟ أم أن دوره هو تهيئة جو مناسب لأداء الامتحان بعيداً عن الضوضاء وعمليات التشويش المختلفة ؟!

يبذل بعض الطلاب جهوداً مضنية لكتابة البراشيم أو الحصول عليها من مصادرها المختلفة، ولو بذلوا بعض جهدهم في المذاكرة لكان خيراً لهم وأنفع ، ويبتكرون وسائل كثيرة لإخفاء الغش على بواطن الأيدي أو الأرجل والجوارب أو أعطاف الملابس، ويتداول الطلاب للمعلومات في القاعة على شكل إيماءات أو حركات أو حتى نحنحات، أو بإشغال الملاحظين بالأسئلة أو بمواضيع جانبية لتتاح فرصة تناقل المعلومات .

قِنّينات المياه، والأقلام، والمساحات، والمساطر، والآلات الحاسبة، واوراق المناديل، كلها تستخدم في عمليات الغش، ولعل لصقات الجروح، والضمادات، وقاعات وبطون الأحذيةلم تَسْلم هي الأخرى من استخدامها في الغش، وأما الساعات الذكية المربوطة بالهاتف وسماعات الأذن والاستفادة من التكنولوجيا فهي حاضرة وبقوة في عمليات الغش الذكية، فما عسى أن يفعل الملاحظ أو الإثنان أمام هذه الاحترافية العالية؟ ناهيك وبعض المراقبين يحتاجون إلى من يراقبهم!!!! .

تتحول بعض القاعات إلى مهزلة، فما إن تبدأ الساعة الأولى للامتحان إلا ويبدأ حديث المراقبين بينهم في شئون السياسة والاقتصاد، وظروف الحياة والمصير بعد الممات، فيما يَعمَدُ مراقبون إلى التهديد والوعيد والصراخ والضجيج، وكأنهم في ساحة صراع، ومعركة تقرير المصير، كما ينشغل بعض المراقبين بمكالمات جوّاله ومتابعة رسائل Facebook و WhatsApp وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.

هل إثارة الرعب في قاعة الامتحانات، أو التسيُّب يخدم أداءَ الرسالة التربوية؟!
هل التربية تبيح للمراقب أن يشتم الطالب في قاعة الامتحان، أو أن يشطب على ورقة الامتحان أو أن يكتب محضراً عياناً جهاراً، ويستدعي للشهادة عليه الإنس والجانّ؟ أم أنه يتحتّم على المراقب أن يتصرف بحكمة، وأن يتعامل مع الموقف بقدَرِه، وأن لا يتعدى في صلاحيته ومسئوليته؟!

ضبط قاعات الامتحانات لا تكون بزيادة عدد الملاحظين، بل بجدية الملاحظة، ولا تكون بكثرة الصراخ، بل بتوفير جو الهدوء والاستقرار، ولا تكون بفرد عضلات القوة بل بقوة تطبيق روح القانون، ونصوص اللائحة .

يعمد بعض المراقبين إلى الإجابة عن تساؤلات التلاميذ بعلم، وبدون علم مما، يتسبب في إخفاق الكثيرين منهم، كما أن البعض الآخر يعمل كسمسار ينقل الإجابات من بعض التلاميذ إلى البعض الآخر بثمن أحياناً، وبلا ثمن أحياناً أخرى، ولربما وقف أحد المراقبين على عتبة باب القاعة يرقب القادمين ويتولى المراقب الآخر عمليات إدارة التعاون على الإثم، وخراب مستقبل البلاد داخل القاعة .

إن حالات العبث المرافقة للامتحانات الوزارية لا تعني بالضرورة غياب الصورة المشرقة للكثير من التربويين الذين أُشربوا قيم الدين والوطنية، والذين لا يجعلون من أنفسهم مطايا للغش، والتزوير والفساد والمحسوبية، لكن ضمائرهم قد تؤنبهم عندما يرون تساهلاً وانفلاتاً يقابل تشددهم وصرامتهم.

ليس مستغرباً أن تكون نسبة النجاح مرتفعة رغم كل ما يصاحب الامتحانات من عبث، وليس أمراً مثيراً أن نصادف طالباً حصل على نسبة 95% وهو لا يستطيع التفريق بين نون الجمع ونون النسوة، أو بين التاء المربوطة والمفتوحة .

إن تعزيز الرقابة الذاتية وحُب الوطن لدى المعلمين والمتعلمين تسهم في ضبط الامتحانات، وأما في غياب الرقابة الذاتية، وروح الوطنية، فإن كاميرات المراقبة واللجان الأمنية، ولجان الملاحظين لن تجدي نفعاً، حتى وإن حققت نجاحا نسبياًً في قاعة الامتحان، لكنها لا تكون حاضرة فيما تتلو وما يسبق من خطوات وإجراءات، فعمليات التزوير والبيع والشراء وكثير من الموبقات تحدث بعيداً عن الكاميرات ومتوارية عن الأنظار.

الثلاثاء 18يونيو2019

موقعنا على الإنترنت