الشخصية المزدوجة

ازدواج الشخصية د.عبدالقوي القدسي

ازدواح الشخصية
  د.عبدالقوي القدسي

“هذا إنسان ذو وجهين ” عبارة تطرق مسامعنا بين الفَيْنة والأخرى، وكثيراً ما يؤكد المفكرون والواعظون على الناس أن يكونوا أصحاب مواقف ثابتة، ويصرخ البعض بقوله:”أنا صريح ، وما بقلبي بلساني”، ورغم هذا كله إلا أن “ازدواج الشخصية” ظاهرة لا يمكن نكرانها أو القفز عليها، لها ارتباط مباشر بعلم النفس وعلم الاجتماع في آن واحد .

يرى الوردي في كتابه :”وُعاظ السلاطين” بأن العربي بدوي في عقله الباطن، مسلم في عقله الظاهر”، ولعله أصاب كبد الحقيقة كما يقال، فكثير من الممارسات تعبر عن ازدواج الشخصية العربية.

كم هي النصوص التي نقرؤها عن المساواة؟! وكم تلوك ألسنتا الآية الكريمة:”إن أكرمكم عند الله أتقاكم”؟!! والحديث:”الناس بنو آدم ، وآدم من تراب”. إلى هنا لا غبار على شخصيتنا الإسلامية، فإذا انتقلنا إلى شخصيتنا البدوية تفاخرنا بالأنساب، ونسفنا كل تلك النصوص بنصوص الأفضلية من نسج خيال العقلية العربية .

هل الناس في الإسلام سواسية؟ الإجابة : نعم، وهل بنو هاشم وقريش من هؤلاء الناس؟! الإجابة : نعم . هل هم مثل الناس سواسية ؟!!! تندهش عندما تكون الإجابة : لا ، ليسو سواسية، فهم أفضل، ولهم الخُمس، ونساؤهم زواجهن حرام من غير عُصْبتهم، ونساء الآخرين عليهم حلال، ولهم معاملة خاصة، وحقوق دون الناس ولا فرق بين صالحهم، والعاصي منهم، وللقارئ أن يتحقق بنفسه بقراءات من كتب السنة والشيعة على السواء، ألا يُعد ذلك تناقضاً، وازدواجاً في الشخصية؟!!!

لماذا يحرص البعض على إبراز لقبه؟ ولماذا يضطر لإخفائه أحياناً؟!! إن المركز الاجتماعي المتغير يفرض على البعض أن يكون صاحب وجهين، فما دام وأن الانتساب لقريش يُعلي من شأن صاحبه، ويرفع بين الناس منزلته، فلا بد أن يبرز ذلك اللقب، فإذا ما جارت الأيام وتغيرت الأحوال ولوحِق أصحاب تلك الألقاب اضطر صاحبنا للتغيير . إن عقدة الشعور بالنقص تلاحق بعض مزدوجي الشخصية أيضاً .

ذات مرة توجهت إلى مؤسسة يديرها أحد ألطف أصدقائي، يكاد وجهه يشرق نوراً. ذهبت بناء على موعد مضروب سلفاً. توقعت بأنه سيطير فرحاً بلقائي، ولكن المفاجأة كانت هي سيدة الموقف. كأنه لا يعرفني!! عندما رآني ما زاد على أن ألقى التحية ببرود، ثم انصرف معتذراً بأنه مشغول، خرجت منزعجاً، وقررت عدم زيارته في مكتبه مرة أخرى، وأشعرته بقراري مع التعليل، واتصلت به قائلاً : “يبدو بأنك صاحب وجهين يا صديقي” وكان هذا غاية ما أقدر على فعله.

التلميذ لا يكاد يلمح معلمه من بعيد حتى يتقمص زي الوقار، ويتخذ له شخصية غير شخصيته الحقيقية، وهكذا يفعل بعض العمال، والموظفين !!!

ألم تُصَلّ يوماً قيام الليل في رمضان ، وإلى جوارك رجل ينتحب من البكاء، حتى أنه يفقدك الخشوع من شدة أزيز صدره وزفراته؟! قد يكون ذاك البَكَّاءُ هو أحد المسؤولين أو أصحاب الوجاهات ، فإذا خرج من المسجد استحلّ أموال الناس وأعراضهم ودماءهم، ولربما عَدَا على أرضيتك المتواضعة فضمها إلى أملاكه المترامية. إنه ازدواج الشخصية!!!!

كنا نجد صعوبة في الاستيعاب، ونحن نشاهد عصابة أو مجموعة من قطاع الطريق، يرعبون الناس، وينهبون أموالهم ، فإذا ما أذن المؤذن سارعوا للاصطفاف للصلاة بعد قائدهم “رئيس اللصوص والمجرمين” ولسان حالهم يقول: “كل شيء في طريقه”. إنه ازدواج الشخصية !!

إن التهديدات الإلهية لا تردع الظالم عن ظلمه، ولا المعتز بنسبه عن فخره وكبره، ولا الفاجر عن فجوره وفسقه؛ لأنه ببساطة يُسوغ كل فعل له ويتأوله ، ويجعل من نفسه مثالاً للعدل والخير ، ناهيك عندما تطرق مسامعه عبارات الثناء من المتزلفين والغوغاء!!!

الحَمَل الوَديع وحَمامة السلام، والخطيب المفوه، وصاحب المواعظ الحسان يتحول إلى وحش كاسر إذا توجهتَ إليه بالنقد، أو مَسَست ذاته المقدسة ، إنه ينهال عليك من فيض جوده تُهماً، فأنت بانتقادك -في نظره- لا تحترم العلماء! وأنت لا تعرف للناس منازلهم، ومن أنت حتى تنتقد؟!! ألا تعلم أنك من الدهماء والسوقة والرعاع والعامة؟!!!! إنك علماني تُروج لأفكار الكافرين بتهوينك من شأن آراء العلماء العاملين! أهذا كله يمكن أن يحدث؟! قد أكون مبالغاً -ربما- ولكن كما يقال: مَن كذّب جرّب!!

ازدواج الشخصية ظاهرة اجتماعية، والخطر عندما تسيطر على جمهرةٍ ممن يعتبرون أنفسهم قدوات للآخرين، والأخطر عندما لا يشعر هؤلاء بازدواج شخصياتهم، ويعيشون الوهْم، ويُلقون على غيرهم بكل القبائح ويبرؤون أنفسهم من كل الرذائل .

http://yecm.net