التعادلية إحدى نواميس الحياة الإنسانية

التعادلية إحدى نواميس الحياة الإنسانية د.عبدالقوي القدسي

التعادلية إحدى نواميس الحياة الإنسانية
    د.عبدالقوي القدسي

في كتابه “التعادلية” يذهب الأديب المصري توفيق الحكيم إلى أن التعادل هو التقابل، فالقوة المعادلة هي القوة المقابلة أو المناهضة، ويرى أن كل قوة تتضخم فإنها تبدأ بمحاولة ابتلاع غيرها، و”التعادلية” هي فلسفة القوة والحركة المقابلة للابتلاعية .

حياتنا محكومة بنواميس عديدة، ومعرفة تلك النواميس أو القوانين تُعين- حتماً- على الحركة الواعية في هذه الحياة.

هناك نهار يقابله ليل، وخير يقابله شر، وصحة يقابلها مرض، وفكرة تنقضها أخرى، ورأي ورأي آخر، وأبيض وأسود ، وذكورة وأنوثة، وشهيق، وزفير وحاكم ومحكوم، وسنة وشيعة. إن هذه الأضداد تُعبّر بجلاء عن حقيقة الحياة البشرية، وجهل هذه الحقيقة قد يكون سبباً في اختلال الميزان، ولربما رسم أحدنا للإنسان صورة ملائكية أو شيطانية فيُجانِبه بذلك الصواب، ويسلك في حياته مسالك الوهم والسراب.

إن الصراع المحتدم بين دعاة الحداثة، وبين المحافظين التقليديين في أمة الإسلام، وغيرها من الأمم إنما يأتي في إطار مبدأ “التعادلية”.

يعتقد المحافظ بأنه هو الحارس الأمين لتراث الأمة القديم، والجدار الفولاذي لصد أفكار الحداثي، ويعتقد الحداثي بأن التقليدي إنسان جامد رجعي، والحقيقة أن هذا المعتقد أو ذاك لا يخلو من غلوٍّ وتطرف !! فوفقاً لمبدأ “التعادلية” فإن الحياة لا تمضي بغير الفريقين، ولا تطير بغير جناحين .

الدين السماوي واحد، وهو “الإسلام” وإليه دعا الأنبياء جميعاً، ولأن الحياة في حركة دائبة فقد اختلفت الشرائع “لكلٍ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً”(المائدة:48)، فشريعة شعيب عليه السلام -على سبيل المثال- ركزت على معالجة اختلال الميزان، وتأمين الطريق، وشريعة موسى كانت انتصاراً للمظلومين من الظالمين، والمستبدين، وهكذا، ولو كانت الحياة جامدة لكان كافِيها شريعة سماوية واحدة .

سألني أحدهم: لماذا يسارع بعض الإسلاميين إلى إصدار فتاوى التكفير والتفسيق، والزندقة على خصومهم المخالفين لهم في الفكر أو الآراء؟!! ولماذا – في المقابل- نجد من ينادي إلى اجتثاث الدين بحجة التجديد والتحديث؟!!

نحن كمجتمعات مسلمة لدينا مصدران للمعرفة هما: الوحي والعقل، وعلى أساسهما يمكن تصور الفلسفة الإسلامية للإنسان والكون والحياة، وقد أكد ابن تيمية-رحمه الله- في كتابه”درء تعارض العقل والنقل” موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فإذا حاولنا إلغاء أحد المصدرين فإننا نقع في شراك الغلو، ويختل عندنا مبدأ “التعادلية”.

الذين يتخذون من العقل عدواً، ويتمسكون بتقديس فَهْم السلف للنصوص يسيرون عكس تيار الحركة الدائبة للحياة، وهم أنفسهم قد يخالفون ما يؤمنون به من نصوص، فالتصوير -على سبيل المثال- محرم في نصوص الحديث، ولكن كبار دعاة السلفية- اليوم- ينقلون محاضراتهم صوتاً وصورة !!

يقول الوردي في كتابه مهزلة العقل : إن الحقيقة في ضوء المنطق المطلق واحدة، والآراء يجب أن تكون متفقة..فأنت إما أن تكون مع الحقيقة بحيث لا يجرؤ أحد على مناقضتك أو أن تكون ضدها فأنت هالك. إن الإنسان كلما ازداد تجوالاً في الآفاق واطلاعاً على مختلف الآراء استطاع أن يحرر تفكيره من القيود، وكلما كان أكثر انعزالاً كان أكثر تعصباً، فالذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها والذي لا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة لا تنتظر منه أن يكون محايداً.

لقد أحسن الوردي في التوصيف، فالتمحور حول الذات أو الجماعة أو الفئة يناقض مبدأ “التعادلية” ويكون سبباً للصراع المحتدم ومنتجاً لما نسميه”حوار الطرشان”.

إن حدوث طغيان أحد الجانبين على الآخر أو تضَخُّمه على حساب غيره يؤدي إلى خلل في التوازن ويخل بمبدأ(التعادلية)، فلو تخيلنا أن إحدى اليدين أو العينين يصلهما من الغذاء أكثر من غيرها، فما الذي يحدث؟!!!

يظل مبدأ”التعادلية” ناموساً كونياً لا يمكن القفز عليه، أو محاولة تجاهله، وعليه فلا يمكن لفئة احتكار الحقيقة، أو إلغاء خصومها، ولا يمكن تصور حياة راشدة دون هذه”التعادلية”، وإذا آمنا بهذا المبدأ الكوني فإننا سنفتح آفاقاً واسعة نحو الحوار الحضاري، ومناقشة الأفكار المختلفة بعقلية منفتحة، ولولا اختلاف الألوان والأذواق والأفكار لاختفى جمال الكون ، ولأصبحت الحياة مُملة، ولَتَعطّل العقل، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء، وقانون التعادلية لا يؤمن بمقولة : إما أنا أو أنت، أو نظرية “الوسط المرفوع” في علم المنطق إن لم تكن معي فأنت ضدي.

الاتفاق التام يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً. فاتحاد الأفراد يجعل منهم قوة لا يستهان بها تجاه الجماعات الأخرى، وهو في نفس الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيُّف مع الظروف المستجدة [الوردي].

وخلاصة القول أنه لا يمكن للحداثي أن يقفز على ثوابت الأمة ودينها، ولا يمكن للمحافِظ أن يَجرها إلى العيش في القرون الغابرة، والتفكير بعقول أسلافها، فالمعركة محسومة عند نِزال الزمن . يمكن للنقيضين أن يعيشيا معاً، وبهما تستمر الحياة، وتنشأ على الأرض حضارات مختلفة .

http://yecm.net