التربية الرقمية
د.عبدالقوي القدسي

القوقعة د.عبدالقوي القدسي

وصل إلى كوالالمبور مع عائلته قادماً من اليمن، لم يكن صديقي يغادر مسكنه إلا للضرورة القصوى، وعندما سألته عن السبب، أجاب: إنها الفتنة !! ألا ترى صور النساء ومظاهر الإغراء؟! فبادرته بسؤال آخر : وكيف تفعل لتوفير احتياجاتك ؟! قال : أرسل الولد ليقوم بذلك . قلت له : ولدك خرّيج الثانوية ؟! فأجاب نعم. قلت له مستغرباً: تخاف على نفسك من الفتنة، وأنت شيخ كبير، ولا تخاف على ولدك الشاب من تلك الفتنة، أي منطق يقبل هذا؟!!

فلان “متقوقع” هذه العبارة عادةً ما تُطلق لتصف شخصاً منعزلاً عن بيئته، أو منطوياً على نفسه.وقد جاء في معجم اللغة العربية المعاصر : تقوقع الحيوان أي دخل في صدفته.

يقول ابن خلدون في مقدمته : “الإنسان اجتماعي بطبعه”. وقد أصاب كبد الحقيقة، والسؤال هنا: هل يتعارض هذا مع طبيعة الإنسان أو فطرته التي تتأثر بعوامل داخلية أو خارجية تدفعه لاختيار نمطٍ معين في الحياة، وقد يختار “القوقعة”؟!!!

يختار بعض الناس “القوقعة” بل ويسعى إليها؛ لأنها تُحقق له مصالح، ومنافع ما كان ليحققها بدونها، فكثير من رجال الدين – إن صح لنا التعبير- قد أحاطوا أنفسهم بهالة من القداسة تجعل منهم مجتمعاً خاصاً لا يشبه المجتمع الطبيعي في لباسه، وأساليب عيشه ونمط تفكيره .

لا يصح في حق القديسين وأصحاب الهالة العظماء والزعماء إلا المديح والثناء، ولا يجوز نقد آراء المرجعيات والعلماء ناهيك عن الحكام والزعماء. إن لحوم العلماء مسمومة، والسلطان هو ظل الله في الأرض، فاللعنة والموت على من يتعرّض لهم !!

يحصر البعض أنفسهم في إطار فكر معين أو مذهب أو اتجاه – ولهم كامل الحق في ذلك – لكن المشكلة عندما يتقوقعون على ذلك الفكر ، ويدينون له بالولاء والبراء، والطاعة العمياء، وإذا سمعوا بالرأي المخالف انتفضوا كالأسود الضارية، وهجموا على خصومهم بكل قوة. إنهم يجاهدون الأفكار المنحرفة والضالة، هكذا يظنون!!

لو نَفّذنا استطلاعاً للآراء حول قضية انبثقت عنها فكرتان، نَسَبْنا إحداهما للخميني وهي في الأصل لابن تيمية، والأخرى لابن تيمية وهي في الأصل للخميني فكيف ستكون نتائج الاستطلاع ؟!!! وإذا أعدناه، ونسبنا كل قول إلى قائله دون تبديل، فهل ستتغير النتيجة؟!! إنها القوقعة التي بسببها لا يقبل “المتقوقع” إلا ما صدر عن فئته، ولا يقرأ من الكتب إلا ما كان من تأليف جماعته .

سألت أحدهم، وكنا في موسم انتخابي آنذاك ، من ستنتخب؟!!! فقال لي -وبدون تردد – مرشح حزبي، ولو كان “حماراً” !!
رأي المتحزب محسومٌ سلفاً، أو بمعنى آخر “مسلوب” دوماً. إنها قوقعة الحزبية والتعصب الأعمى.

أتريد أن تكون منتمياً إلى حزب، أو جماعة وتكون حراً في نفس الوقت؟!!!! أنت واهِم إذاً. إنك تكون كمن يبحث عن الماء في السراب، وكمن يرتجي من البذر أن تنبت في الهواء!!!

اتخذ الأئمة-سابقاً- قرارهم في عزل اليمن عن محيطها الإقليمي، والدولي خوفاً على أهل اليمن من الثقافة الغربية الوافدة، وحفاظاً على الدين كما يزعمون. والحقيقة أنهم خافوا على سلطانهم، فالانفتاح سيجلب عليهم البلاء ويفتح أعين الرعية والدهماء على الحرية والعيش بكرامة فيدفعهم إلى معارضة السلطة التي تحكم باسم السماء !!

استنكرت قريش على النبي (ص) فقالت ” مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (الفرقان:7)
أرادوا ” قوقعة” الرسول!! لكنهم لم يدركوا أن تلك القوقعة تتنافى مع طبيعة الرسالة المحمدية .

هل على جيل اليوم أن يعيش الصراع الذي عاشه سلفه؟!!! وأن يُقوقع نفسه في إطار جماعة أو فئة يغضب لغضبها، ويخوض حربها ويعادي ويسالم تحت رايتها، تاركاً وطنه وراءه ظِهرياً؟!!

تحدث القوقعة بسبب النظرة السلبية إلى الآخر، والنظرة الاستعلائية للذات أو الفئة، والعُزلة الحقيقية أو الشعورية عن المحيط، ولن نستطيع مغادرة ربقة القوقعة إلا بالقضاء على أسبابها وتغيير نمط تفكيرنا، وأسلوب حياتنا.

عوداً على ذي بدءٍ، فالطبيعة الاجتماعية للإنسان تفرض عليه أن يكون منفتحاً على أفكار غيره، منحازاً إلى الحقيقة لا إلى الذات أو الجماعة والفئة، متفاعلاً ومؤثراً في واقع الحياة، مستفيداً من الخبرات البشرية، باحثاً عن المعرفة من مصادرها المختلفة، متعايشاً مع أبناء جنسه، مدركاً بأنه يعيش مع بشر وليس مع ملائكة أخيار أو شياطين أشرار. وبذلك يكون قد خرج من ضيق “القوقعة” إلى سعة الحياة.

د.عبدالقوي القدسي

غرة يناير2020

http://yecm.net