قراءة معركة كورونا

التخلف الحضاري د.عبدالقوي القدسي

في معرض حديثنا عن النهضة المنشودة يجدر بنا أن نبحث عن أسباب الانحطاط، والتخلف الحضاري.

إن أصابع الاتهام تشير إلى صنفين من الناس جرَّا على أمتنا ويلات هذا التخلف المهين، هما : الحكام المستبدين ، وعلماء الدين المنحرفين عن صراطه المستقيم.

الاستبداد السياسي وتخلف الخطاب الديني- من وجهة نظري- وجهان لعملة واحدة، وسببان مباشران للتخلف الحضاري .

الاستبداد كما في معجم اللغة العربية المعاصرة يعني التعسُّف، والتحكم، يقال استبد الشخص بالرأي أي انفرد به من غير مشارك فيه، والاستبداد في اصطلاح السياسين كما أورده الكواكبي في كتابه “طبائع المستبدين” هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوفِ تَبِعَة .

في كتابه “مشكلات في طريق الحياة الإسلامية” يرى الغزالي- رحمه الله- بأن الاستبداد السياسي من أولِ أسباب الشلل الفكري عند المسلمين.
لقد أصاب الغزالي الهدف، فالشلل يصيب الجسد كله أو بعضه فيمنعه من الحركة، وإذا توقفت الحركة الفكرية أصيبت الأمة بالجمود والبلادة وتخلفت عن ركب النهضة والحضارة.

من خلال الاستقراء لتاريخ قيام الحضارات وسقوطها، أو سطوع نورها وأفول نجمها، نجد أنها قامت بالعدل، وانحطت بالظلم .

المستبدون من البشر سواء لبسوا ثياب الحكام، أو برزوا بعباءات القسيسين، وسواء تلقّبوا بكسرى وقيصر أو بخليفة المسلمين هم أصل بلاء الأنام، ومنبت الشرور والآثام .

لقد أحسن الكواكبي حيث وصف المستبد فقال:”المستبد عدو الحق ، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمهم، والعوام صِبيةٌ نيام لا يعلمون شيئاً، والمستبد يتجاوز الحد ما لم يرَ حاجزاً من حديد، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم، كما يقال : الاستعداد للحرب يمنع الحرب ” .

يُروى أن أميراً قال لخادمه يوماً: تميل نفسي إلى أكلة الباذنجان، فقال الخادم: الباذنجان؟ بارك الله في الباذنجان؛ هو سيد المأكولات، لحمٌ بلا شحم، سمكٌ بلا حسك، يؤكل مقلياً ويؤكل مشوياً. فقاطعه الأمير قائلاً: ولكني أكلت منه قبل أيام فنالني الكرْب، فقال الخادم: الباذنجان.. لعنة الله على الباذنجان؛ فإنه ثقيلٌ غليظٌ نفّاخ!!! فقال الأمير: ويحك!!! تمدح الشيء، وتذمه في وقت واحد؟!! فقال الخادم: أنا خادمٌ للأمير، لا خادماً للباذنجان. إذا قال الأمير نعم، قلت له: نعم، وإذا قال: لا ، قلتُ: لا!!
لا شك بأن كلمات الخادم قد نالت إعجاب الأمير، ولعله أعلاه منزلة وأمر له بعطاء !! بالفعل هذا ما يريده المستبدون، إفساد فطرة الإنسان، فإذا فسدت سهُل عليهم فِعْل كل شيء !!!!

ليس في الإسلام رجال دين لهم سلطة أو قداسة، وفي المقابل لا يمكن إغفال تأثير خطابهم على العامة، فهم لا يتحدثون إلا باسم الله، وما يُفتون به هو حكمُ الله!!!
وللمرجعية أو الشيخ أن يفتي في الاقتصاد والسياسة، وفي العلاقات الدولية، والقوانين الدبلوماسية، وفي الإدارة والزراعة، والصناعة ، وفي كل شيء. والمفتي في أمان، فهو إن أخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!!!!!

يكفي لإخضاع رقاب العامة أن يسوق المرجع الديني أو الشيخ آيةً أو حديثاً، ثم يُملي عليهم فهمه، ويختم حديثه بقول الله تعالى :” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ “(الأحزاب:٣٦) فهل يحق للعاميّ بعد ذلك أن يخالف؟!! إنه – إن فَعل ذلك- يُعد عاصياً لله ولرسوله بنص القرآن” وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36)”!!!!!!

“السياسيون في العالم كالقرود في الغابة، إذا اتفقوا أكلوا المحصول ، وإذا اختلفوا أفسدوا الزرع”.[جورج أروويل].
هل هذا المثال ينطبق على سلطة الاستبداد السياسي، والانحراف الديني أم إن الأمر مختلفاً؟!!

حتى تكتمل الصورة وتتضح آثار الاستبداد والخطاب الديني المنحرف على نهضة الأمة، وتطورها أو انحطاطها وتخلفها، فإننا – بإذن الله- سنعزز هذا المقال بثانٍ، وسنعزز الاثنين بثالث .

http://yecm.net

https://www.facebook.com/abdulkawi.alkadaci