نظرية واتسون في التعلم

الشورى والديمقراطية د.عبدالقوي القدسي

لا يزال الخلاف محتدماً بيننا، كمسلمين، حول طبيعة العلاقة بين الشورى، والديمقراطية وهل يمكن إحداث مقاربة بينهما أم لا.

الديمقراطية في نظر البعض كفر؛ لأنها -باختصار- تعني حكم الشعب نفسه بنفسه، بينما الحكم في الإسلام لله، لا للشعب، وهي في نظر آخرين الوصفة السحرية لمعالجة مشكلات الأمة المزمنة.

يقول صديقي : إذا كانت الشورى تعني تقليب الآراء في قضية من القضايا، بُغية الوصول إلى الصواب، وأفضل الآراء ، والديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه، فأين التقارب بينهما؟
قلت له: الديمقراطية تأخذ برأي الأغلبية على اعتبار أنه أصوب الآراء، ألا يتفق ذلك مع الشورى؟
يقاطعني قائلاً: حسناً ، ولكن الديمقراطية تعطي الشعب الحق في التشريع ، بينما الحق في التشريع بالنسبة لنا كمسلمين هو لله وحده، فكيف يمكن التوفيق بين المفهومين؟
أجبته قائلاً : الديمقراطية تعيد الحكم إلى الشعب عبر البرلمان ، فإذا كان الشعب مسلماً فلن يكون من تشريعٍ سوى تشريع الإسلام، فالديمقراطية إنما هي تعبير عن رأي الأغلبية، وليست مُنشئة للأحكام بذاتها أومصدراً للتشريع.

الصلاة – كما يُعرِّفها الفقهاء – هي أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحةٌ بالتكبير مختتمةٌ بالتسليم ، فالصلاة بهذا المعنى نظام واضح المعالم ، فهل الشورى كالصلاة سواءً بسواء؟!! وهل هناك نصوص قطعية تشرح تفصيلات الشورى، وكيفية ممارستها بحيث لا يجوز الحياد عنها؟

يجب أن نُفرّق بين (الشورى) كنص قرآني، وبين ممارسة المسلمين لها كـ (تاريخ) ، ولا يمكن بحال أن يحل التاريخ محل النص، فكل مرحلة تاريخية ببُعديها الزماني والمكاني لها قراءتها الخاصة للنص ، والأمر نفسه ينطبق على (الديمقراطية) و(المساواة) و(الحرية ) وغيرها من المفاهيم المجردة، ومن الطبيعي أن تشهد هذه المفاهيم تطويراً، وتحديثاً يتوافق مع حركة الزمان، وظروف البيئة والمكان .

نفسية الصِّدام الحضاري الذي يُترجمه البعض برفض كل فكرة وافدة من الآخر بناء على نظرية المؤامرة، أو بِحُجة الحفاظ على الهوية يحول بين المسلمين، وبين التعاطي مع ديناميكية الحياة بإيجابية .

هل حددت الشورى عدد المستشارين ؟ وهل لعامة الناس الحق في الشورى، والمشاركة في اتخاذ القرار ؟ وهل وضعت نظاماً للتصويت ، ونظاماً لمراقبة ممثلي الأمة ؟ وهل الأغلبية معتبرة في نظام الشورى ؟! وهل هناك مدة زمنية لمهمة المستشار؟ ثم هل هناك آلية لاختيار أهل الشورى؟
إذا كانت الإجابة عن التساؤلات السابقة بالنفي، فهل يجوز لنا أن نجتهد في كل ذلك، وهل يجب أن نبدأ من حيث بدأ الآخرون أم إن الحكمة تقضي بأن نبدأ من حيث انتهوا ؟!!

هل يمكن لنا، ونحن نتحدث عن النهضة المنشودة أن نعتبر الديمقراطية مُنتجاً بشرياً ، يمكن الاستفادة منه في التطبيق العصري للشورى، وبالتالي نستفيد من آلياتها في تكريس المنهج الشوروي، ومحاربة الاستبداد، والإجابة العملية عن الأسئلة سالفة الذكر ؟! أم إننا يجب أن نمضي في طريق الجمود على المصطلح، ونعتبر أن الديمقراطية خطراً على الأمة، وبالتالي يجب أن نشن الحرب الشعواء عليها ، فنُكرس واقع الاستبداد ، ونحمي تغوُّل السلطة السياسية بسلاح السلطة الدينية؟!

يقرن البعض بين الديمقراطية، والليبرالية والعلمانية مما يثير حساسيةً لدى شريحة واسعة من المسلمين، فهل الديمقراطية، والليبرالية والعلمانية شيئاً واحداً؟

الليبرالية هي فلسفة سياسية فكرية، وفي أصلها اقتصادية تدعو إلى المساواة، وحرية الفرد وحقوق الأقليات، والعلمانية أو العالمانية تعني فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية .

هناك اختلاف واضح من حيث المفهوم بين الديمقراطية، والليبرالية والعلمانية، ولكن الديمقراطية يمكن أن تفرز -بحكم الأغلبية – حكومة علمانية، أو ليبرالية، أو دينية .

إنني أصاب بالدهشة، وأنا أتصفح الكثير من الأبحاث والكتب التي يقف كُتّابها عند مستوى الدفاع عن الممارسة التاريخية للشورى، وتنزيلها منزلة قطعيات الشريعة، فترى الكاتب يدور حول حلقة مفرغة، ويصول ويجول في ثنايا النصوص للخروج بنتيجة مفادها أن الشورى مهمة بدلالة الكتاب والسنة. إن ذلك على أحسن الأحوال أشبه بطحن الطحين !!

الديمقراطية- من وجهة نظري- قطعت شوطاً كبيراً في ابتكار وسائل ممارسة الشورى، وتحديد العلاقات بين أجهزة الدولة المختلفة، وفصلت في السلطات ( التشريعية – التنفيذية – القضائية) ووضعت نظاماً للرقابة ، وأنشأت هيئات دستورية لفحص دستورية القوانين الصادرة من ممثلي الشعب، ورسمت معالم الحكم بوضوح ، وأعادت السلطة للأمة، وحدَّت من الأرستقراطية، ولم تميز بين أفراد المجتمع فالجميع يحظون بفرص متساوية للمشاركة في السلطة؛ ولذا فما علينا، ونحن نسعى لإحداث النهضة في بلادنا إلا أن ندرسها دراسة واعية، ونأخذ بأحسنها، ونطور من أساليب الممارسة الشوروية، أما تقديس المصطلح دون الحركة الجادة في ابتكار أدوات تطبيقه أو الأخذ بتجارب الأمم المتقدمة، فإنه نوع من الجمود، والجمود لا يمُت إلى شريعة الإسلام بأي صلة.

يقول ابن القيم -رحمه الله- : ” إن أمارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان فذاك شرع الله ودينه، والله تعالى أحكم من أن يخص طُرق العدل بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منه وأَبْيَن “.

وخلاصة القول :
إنني لا أرى ثمّة تعارض بين الشورى والديمقراطية، وديننا الإسلامي منفتح على كل فكرة تُعزز الممارسة الحقيقية للشورى، وتحقيق العدل للأمة، والحكمة -كما يقال- ضالة المؤمن أنّا وجدها فهو أحق الناس بها، ولنا أن نأخذ من الديمقراطية أحسنَها، أو نُقدم للبشرية ما هو أحسن منها وفقَ نظامٍ واضح المعالم، وقابل للتطبيق في واقعنا المعاصر.

http://yecm.net