نظرية واتسون في التعلم

طليعة النهضة === د.عبدالقوي القدسي

في ظل الوهن الذي تمر به بلادنا وأمتنا، وحالة الانحطاط الحضاري، والصراع العدمي الذي لم يُنتج سوى مزيدٍ من المآسي وصنوفٍ من المعاناة، في ظل هذا كله، يتضرع البعض إلى الله أن يهيئ للأمة قائداً مُلهماً، وزعيماً استثنائياً، وقائداً ربانياً.

قم يا صلاح الدين، نحن في أمَسّ الحاجة إليك!! لا تصدق مزايدات أحمد مطر، وهو يخاطب الذين ينادونك بقوله:
دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه …لأنه لو قام حقًا بينكم فسوف تقتلونه.
لماذا تأخرت يا ” مهدي”؟! عجَّل الله فرجك !!
إننا جاهزون بموكب يخطف الأبصار، وبأنصار تملأ الأمصار لاستقبالك، فأنت إمام آخر الزمان ، والذي سيملأ الأرض قِسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً، نعم .. إننا ننتظرك بفارغ الصبر، يا سليل النبوة، ويا أمل الأمة !!

يذهب البعض إلى أن أمتنا اليوم لا ينقصها سوى قائد مُلهم يَعبُر بها إلى برِّ الأمان، ولهم على ما يذهبون إليه من التاريخ شواهد، فنهضة أوروبا وأمريكا والصين وسنغافورة وماليزيا ، وتركيا، ليست عنا ببعيد .

إننا لا ننكر مطلقاً دور القائد الفذ وصاحب الهمة العالية والرؤية الثاقبة في نهضة الأمة، والسؤال، متى يمُنُّ الله علينا بالقائد المنقذ ؟ ومتى تحدث المعجزة ؟!!

هل يمكن تجاوز حالة السلبية، والخمول، وحالة البحث عن الفرج من ثنايا الغيب، وعالم المجهول؟

نهضة أوربا، وأمريكا، وسنغافورة، وسائر بلدان العالم المتحضر يا قومنا لم ترتبط بفرد، بقدر ارتباطها بطليعة، وأنّى للفرد أن يقوم بكل شيء؟! حتى الأنبياء عليهم السلام كان لهم حواريون وأصحاب حملوا معهم عبء وتكاليف الرسالة .

أكد ابن خلدون في “المقدمة” أن الدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية، وربط كل الأحداث الهامة والتغييرات الجذرية التي تطرأ على العمران بوجود أو فقدان العصبية، كما أنها في رأيه المحور الأساسي في حياة الدول والممالك. ويذهب ابن خلدون إلى أن العصبية نزعة طبيعية في البشر، متولدة عن القرابة والنسب أو الانتماء القبلي.

ابن خلدون وقد عاش في القرن الرابع عشر للميلاد يؤكد على دور (العُصْبة) في قيام الدول أو سقوطها، وقوة أو ضعف القائد يعود إلى قوة أو ضعف تلك العصبة .

بلغة اليوم، هل يمكن أن نقول بأن الحزب أوالجماعة أو فريق العمل أو التيار المرتبط بفكرة وليس بالنسب أو القبيلة تحل محل (العُصبة) أو العصبية حسب تعبير بن خلدون؟

يقع نظر الناس على الأشخاص والقادة، ويعتقدون أنهم هم سبب الحضارة أو النهضة، ويغفلون عن الطليعة التي تسند ذلك القائد، والتي هي سبب النهضة الحقيقية. ولربما أصبح ذلك القائد طاغية أو مستبداً بسبب الهالة المصطنعة، والإسراف في التصفيق لمنجزاته، فيبدأ الخسف بتلك الطليعة !!

عند الدراسة العميقة لكل نهضة أو حضارة سنكتشف بأن القضية لم تكن مرتبطة بفرد بقَدْرِ ارتباطها بالطليعة التي أفرزت ذلك الشخص إلى مكان القيادة، وظلت تسنده، وتمده بالقوة.

الأمم التي أفرزت طلائع واعية نجحت في بلورة الفكر ليصبح القائد فيها هو فرد يقوم بمهمته لمدة محدودة ثم يترك الموقع -بقوة القانون- لآخر، وأما الأمم التي ظلت مرتبطة بالزعامة والقداسة، فإنها،وإن نَجحت في فرز قائد استثنائي، إلا أنها فشلت لاحقاً من لَجْم نزوة ذلك القائد حتى أصبح متسلطاً وطاغية .

أمتنا اليوم بحاجة ماسة إلى طليعة تنتشلها من النفق المظلم الذي عُرفت بدايته، ولكن نهايته لا تزال مجهولة. طليعة يجمعها هدفٌ مشترك، وهو : ” إحداث النهضة، وصناعة الحضارة “.
هل يعني هذا بأن المجتمع خُلُوّ من تلك الطليعة ؟! ألا توجد في مجتمعنا أحزاب، وتيارات، وجماعات تمثل تلك الطليعة، ولربما أفرزت ذلك القائد الذي ننتظر؟!

هل أكون مبالغاً إذا قلت بأن الطليعة المتمثلة بالأحزاب والجماعات، والتيارات القائمة فشلت في تقديم تصور واضح لنهضة الأمة، وظلت تُغرد خارج سرب الحضارة، وانشغلت بإدارة الصراع فيما بينها، وأشهرت سيفها في وجه بعضها، وعوضاً عن نهضة الأمة فقد أدخلتْها في أتون حروب أهلية، وأزمات لا حصر لها .

نحن ندعوا إلى تشكيل طليعة جديدة من مختلف شرائح المجتمع، ونأمل إلى أن تعكف تلك الطليعة على صياغة مشروع النهضة المنشودة القائمة على أساس “التنمية”بكل ما تحمله كلمة التنمية من معنى. يجب أن تكون الطليعة وطنية صرفة، وليس لها أي امتدادات خارجية، أو آيدلوجية، وتعمل هذه الطليعة على فرز قيادات جديدة، وصياغة قواعد ضابطة، وحاكمة تمنع تكرار مآسي الماضي، وعودة العفش الساسي القديم للواجهة، أما انتظار الغيب ليلد لنا القائد الفذ أو الزعيم المُلهَم، فلا يعدو أن يكون خَرَفاً وأضغاث أحلام !!

هل القادة الذين يُشار إليهم بالبنان عبارة عن فَلتات تاريخية، ولا يوجد في عصرهم من يضاهيهم؟! أم إن ظروفاً ما تهيأت لهم في حين لم تتهيأ لغيرهم؟

الأسر المالكة لا تتيح لغير أبنائها أن يبرز للقيادة؛ ولذلك فكل المواهب القيادية الأخرى لا مكان لها، والأنظمة (الجمهورية الملكية ) كما هو الحال في بلادنا العربية تفرز قيادات من الحزب الشمولي الحاكم بأمر الله بدلاً من العائلة، أو من الجيش إن كان هو مصدر السلطة، بينما الأنظمة الحديثة تفرز قيادات من عموم الشعب في مختلف الجوانب المدنية والعسكرية . والفرق واضح بين القيادات التي تفرزها الأنظمة الحديثة المرتبطة بالشعب، وبين تلك الأنظمة المرتبطة بالاستبداد!!!

لا نستطيع إغفال دور الطليعة في إنتاج القيادات الاستثنائية، كما أننا لا يمكن إنكار دور القائد في تحريك عجلة التنمية إلى الأمام بما يمتلك من عزيمة وكاريزما وقوة، ولكننا ندعو إلى أن تقوم الطليعة بدورها في وضع القواعد الحاكمة الضامنة لعدم انحراف القائد عن مساره، حتى لو كان ذلك القائد هو صاحب الفضل في تكوين تلك الطليعة.

لعل ما تمر به بلادنا اليوم فرصة للتأسيس لمرحلة قادمة تكون السلطة فيها بيد مؤسسات مرتبطة بالشعب، ويصبح القادة فيها مجرد موظفين، لا مالكين، وخدماً للأمة لا مستخدِمِين لها ، ويكون قائدها هو كبير موظفيها أو خدمها، لا آية الله ولا ظل الله .

https://www.facebook.com/abdulkawi.alkadaci

https://www.facebook.com/Dr-Abdulqawi-Alqadasi-106347114275691/notifications/