نظرية واتسون في التعلم

انتظار الفرج والتعلق بقشة المهدي المنتظر د.عبدالقوي القدسي

يقال في المثل العربي: “الغريق يتعلق بقشة”، هذا المثل يصف حال غريقٍ فقَدَ كل أمَلٍ له في النجاة. إن الأمواج والمخاوف تتقاذفه معاً، إنه لا يرى شيئاً سوى السواد، ولا يشعر بشيء سوى الرعب. هل يصرخ بأعلى صوته؟ هل يُلَوِّح بيده، لعل هناك من يرمقها من بعيد. أم يرفع يديه إلى السماء طالباً النجاة؟! لقد أخرج يده محاولاً رؤيتها فلم يكد يراها، فأَنَّى لأحدٍ أن يراه في هذه الظلمات الحالكة ؟! هل هناك بصيص أمل يشق عباب البحر بظلماته المتراكبة، ويمخر في اتجاه الغريق لينقذه ؟!

يلمح صديقنا الغريق قشةً تلوح في الأفق، فينادي: يا بشرى!! إنه الفرج ، إن السماء لم تتخلَ عنيِّ، انتظاري تكلَّل بالنجاح، والصبر مفتاح الفرج !! اقتربي أيتها القشة المباركة، لقد انتظرتك طويلاً، لقد كدتُ أن أفقدَ الأمل، بَلا، لقد رفعت راية الاستستلام !! هيا اسرعي، أكاد أن أغرق.
لقد تمسّك الغريق بالقشة، وظن أن فيها النجاة – تماماً – كالظمآن يحسب السراب ماءً، يُذهِب به عطشه، ويبلغ به مراده !! لكن للأسف، لا القشةُ تُنقذ الغريق، ولا السراب يروي العطشان !!!

عندما تضعف الأمم، وتذهب ريحها، وتسقط حضارتها، فإنها تصبح كالغريق الذي يتعلق بقشة.

ليست أمة الإسلام بِدعاً من أمم الأرض، فأيُّ أمة تقع أرضاً فإنها تُطلق لخيالها العَنان، وترسم صورة لمن يُخلصها من الآلام، ويقضي على أعدائها، ويعيد لها قوتها وهيبتها .

إن طوائف من أبناء أمتنا هربوا من واقعهم، وتركوا واجباتهم، واستسلموا للوهم، وتعلقوا بقشة المهدي المنتظر المتوارية بالحجاب.

يشعر الكثير من المسلمين بالظلم فيعتقدون بأن المهدي سيأتي ويملأ الأرض عدلاً، ويعاني بعض المسلمين من الحرمان
، وبظهور المهدي ستنعم الأمة بنِعم لم تنعم بمثله قط، وتخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويُعطى المال بغير عدد، وفي زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم “. (ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم).

إنني هنا لا أتحدث عن صحة أو خطأ المعتقد بالمهدي المنتظر ،ناهيك والقرآن لم يتعرض لهذه القضية ولو في آية واحدة، على الرغم من أن الخطب جَلَل، والحدَث عظيم. لقد تحدث القرآن عن الوضوء والتيمم والحيض، ولكنه لم يتحدث عن إمام آخر الزمان. ألا يبدو الأمر غريباً؟!!!

لست معنياً بالتفصيل في شأن المهدي الذي تضاربت الأخبار في شأنه، واختلف المحققون في حقيقته، ولم يتفق السنة والشيعة على اسمه، ومولده، وغيبته، وعودته. هل بالفعل أخرت آثام العباد خروجه – كما يعتقد بعض شيعته !!

إنك وأنت تقرأ عن المهدي، فإنك تخرج بنتيجة مهمة، وهي أن للشيعة مهدي بمواصفات ، وأن للسنة مهدي بمواصفات أخرى !

كما أسلفت، فإنني لن أخوض في عقيدة السنة أو الشيعة حول المهدي ، فليعتقد كل فريق ما يحلو له ، ولكن الأهم من وجهة نظري هو الآتي :
1- يجب أن لا يتحول هذا الاعتقاد إلى عامل تخدير للأمة باسم الدين، إذ إن مجرد الزفرات والبكائيات واللطم لا تصنع للأمة حضارة، ولا تجلب لها رغد العيش، ولا تدفع الأخطار عن الأوطان.
2- يجب أن يحذر الناس من استثمار الساسة، وأهل الأهواء قصة المهدي لقتل المناوئين باسمه، إذ يرى (المهدويون) بأن من شروط خروج إمام آخر الزمان، حدوث مَقتلة عظيمة، ودمار في العراق والشام ، وكثيراً ما نسمع بعض مراجع الشيعة ، وهم يتحدثون عن إعداد جيش ينصرون به المهدي، ورايات سود ينتصر بأصحابها المهدي. هل هذا الدمار اليوم في المنطقة هو علامة على قدومه ؟ وكيف سيكون الحال إذا خرج ؟!!
3- الاختلاف في شأن المهدي، اسمه ، محل خروجه، ميلاده أو حياته ، وعدم الجزم في حقيقته جعل البعض من الناس يدعي بأنه هو (المهدي) . مذبحة الحرم في موسم حج 317هـ، ومقتل ثلاثين ألفًا من الحجاج كان كما تروي كتب التاريخ بسبب ادعاء أبي طاهر الجنابي بأنه هو المهدي المنتظر، نفس ما ادعى جهيمان ومن معه” 1979 ، وسفكوا الدماء في الحرم، وفي مصر واليمن والعديد من البلدان يظهر من يدعي بأنه المهدي بين الحين والآخر .

سؤالي هنا : لو ادعى أحد بأنه هو المهدي، فهل سيصدقه أحد ؟!! إن مصيره السجن على أحسن الأحوال.
لماذا لا يتعامل المسلمون بجدية مع هذه الادعاءات ؟! وسؤال آخر: هل ستؤمن طوائف السنة بمهدي الشيعة حال ظهوره في العراق؟ وفي المقابل هل ستؤمن طوائف الشيعة بمهدي السنة حال خروجه من الحجاز ؟! وماذا لو خرج الاثنان في آن واحد ؟!

يبدو بأن الطوائف المتصارعة على مرّ الزمان قد دأَبت على تسويق الوهم لأتباعها، واستحلال دماء المسلمين باسم الدين ، وتخدير العوام على الدوام، للاستخفاف بعقولهم ، واستمرار أكل أموالهم ، والصد عن سبيل الله بحجة الجهاد في سبيله !!!

إنني – وأنا أتحدث – عن النهضة المنشودة أدعو أمتنا إلى عدم الالتفات لكل ما يعمل على تعميق الجراح فيما بين أبنائها، وبث روح العداوة ، والقتال بالنيابة عن الموتى .

إن نبينا محمداً (ﷺ) قد ترك أمته على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيع عنها إلا هالك ، ولا يوجد ضلال أعظم من تضليل الأمة، وبث روح العداوات فيما بينها باسم الدين !!

إلى المعتقدين بالمهدي، اعتقدوا ما شئتم بما شئتم، ولكن لا تنشروا الدمار في الأمة بسبب عقيدتكم، ولا تسترخصوا دماء المسلمين ، ولا تُوقدوا الحروب التي يطفئها الله باسم الله !!
والخلاصة : دعوا المسلمين يعيشون مثل سائر الناس، فإن ظهر مهدي (العدل) شمل بعدله الناس جميعاً ، وإن لم يظهر فلن يعتب عليكم أحد !!