استراتيجية المناظرة
د.عبدالقوي القدسي

العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية د.عبدالقوي القدسي

تُعرَّف العلوم الإنسانية على أنها تلك العلوم التي تُعنى بوصف ودراسة وتحليل وتوثيق التجربة الإنسانية من جميع جوانبها في مختلف العصور، بما في ذلك العلاقات بين الأفراد وأساليب التعبير والتواصل، وتُسمى العلوم الإنسانية في اللغة الإنجليزية (Humanities) ، وتُعد العلوم الإنسانية مِظلّة واسعة يمتد أفقها بمجموعة من العلوم الأخرى التي تنطوي تحتها، كما تفتح العلوم الإنسانية نافذة التواصل بين الماضي والحاضر، فتدرس التاريخ الإنساني والعلاقات التي كانت قائمة بين الإنسان والبيئة من حوله، وبين ما يعيشه الإنسان المعاصر في بيئته الحديثة من وسائل تعبير وتواصل مختلفة تبعًا لوجود العديد من التغييرات المُنطلِقة من محيطه الآخذ بالتطور سريعًا ([1]).

تعرّف العلوم الطبيعيّة على أنها المعرفة المنهجيّة للطبيعة والعالم المادّي كالفيزياء وعلم الحيوان وعلم النباتات، ويمكن تعريفها أيضاً على أنها العلوم التي تدرس العالم الماديّ وظواهره بما في ذلك الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا، والتي تستبعد العلوم الاجتماعية والعلوم المجرّدة كالرياضيات والعلوم التطبيقية ([2]).

تُصنِّف الكثير من الجامعات العلوم الإنسانية تحت العناوين التالية : علم النفس ، الدراسات الدينية، علم الآثار، ثقافات الشعوب، الأدب والنقد، علم الاجتماع، الموسيقى، علم الأنثروبولوجى، دراسات الفلسفة، تاريخ الفن ونظرياته ، علوم السياسة والإدارة .

أيهما أكثر تأثيراً في صناعة الحضارة والنهضة: العلوم الإنسانية أم الطبيعية ؟

يتحدث الدكتور محمد عبدالباري القدسي أمين عام اللجنة الوطنية اليمنية للتربية والثقافة والعلوم، فيقول: “نحتاج إلى كلا الأمرين بل والمزج بينهما لإحداث تغيير نهضوي أسرع. ومما عرفته في تدريسي لتاريخ العلوم بكلية العلوم جامعة صنعاء أن تعاليم الدين الإسلامي حفزت النفوس، وخلقت الدافع المناسب في المجتمع الإسلامي الأول فجاء العلماء أمثال ابن سيناء وابن النفيس وجابر بن حيان لاستخدام العلوم التجريبية الطبيعية، وهذه هي التي أحدثت النهضة الإسلامية العربية للعرب وغير العرب في تلك الفترة؛ إذ كان أساس تلك النهضة علوم روحية إنسانية أخرجت الإنسان من خرافة الأرض على قرن ثور إلى ثورة التجريب التي ترجمتها نهضة أوروبا، ولذلك تجد تماثيل أولئك العلماء التجريبيين في ردهات الجامعات الغربية”.

العزوف عن دراسة العلوم الإنسانية تحدده اتجاهات المجتمع، فقدكان يُدفع بالطلاب المتميزين – على سبيل المثال – إلى علوم الطب؛ طمعاً في الدخل الكبير والسريع ، وحتى يشار للطبيب بكلمة (دكتور) .

ألا يتم توجيه الطلاب الحاصلين على نسب مرتفعة في الثانوية العامة إلى التحصصات العلمية، ويخضعون فوق ذلك إلى اختبارات قبول، ولا يبقى من نصيب التخصصات الإنسانية سوى أصحاب المؤهلات المتدنية، والنسب المتواضعة في الثانوية؟!

ألم تحصل إعاقة مجتمعية بسبب إهمال العلوم الإنسانية ، وبسببها  صعد إلى السلطة من لا يعلم في السياسة ولا الاقتصاد شيئاً ، فأخمدوا في المقابل جذوة العلم والعلماء في العلوم الطبيعية ؟!

كل الناس يتحدثون عن السياسة، وبالذات في مجالس القات، بينما لا يفقه قواعدها وأصولها إلا عدد محدود، ومن ذلك العدد المحدود من اختار طريق الانتهازية وانحاز إلى مصالحه الأنانية على حساب مصلحة الأمة .

العلوم الإنسانية هي التي تقود دفة المجتمع، وتُحرِّك كل الكوادر العلمية لإحداث النهضة المجتمعية أو إخماد كل حركة حضارية، فعلماء الفيزياء أو الكيمياء وما يتعلق بالبيولوجية والتقنيات والتكنولوجيا لا يستطيعون إنتاج شيء في ظل السلطة الجاهلة .

جاء فى تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجامعة الدول العربية أن أكثر من مليون خبير واختصاصى عربى، يعملون فى الدول المتقدمة من بينهم 450 ألف عربى من حَمَلة الشهادات العليا المشتغلين فى أمريكا وأوروبا.

يضيف «الجمعاوى» إلى أن الدراسات تشير أن 54% من الطلاب العرب الذين يهاجرون لمواصلة دراساتهم الجامعية فى الغرب يرفضون العودة إلى بلدانهم الأصلية. وبحسب إحصائية أنجزها مركز الخليج للدراسات (سنة 2004)، فإن عدد الأساتذة الجامعيين العرب المهاجرين يقدر بـ 284 ألفاً فى مجال العلوم الهندسية والتطبيقية، و179 ألفاً فى مجال العلوم الحيوية والزراعية، و152 ألفاً فى مجال العلوم التجريبية والعلوم الصحية، و136 ألفاً فى مجال العلوم الإدارية.

ويشير تقرير صادر عن أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا فى مصر فى يوليو 2015 إلى أن أكثر من 450 ألف مصري من أصحاب الشهادات العليا اتجهوا قِبلة الغرب خلال الخمسين سنة المنقضية. وأصبح 600 من بين هؤلاء المبدعين المصريين المهاجرين من أبرز العلماء المتألقين فى الغرب فى اختصاصات دقيقة ونادرة من قبيل علم الفضاء، والنانو تكنولوجيا، وعلوم البحار، والهندسة المعمارية الصديقة للبيئة. ([3])

عندما لم نضع للتاريخ والجغرافيا وعلوم المجتمع أهمية في دراستنا فإننا عجزنا عن الاستفادة من تجارب الأمم، وعندما لم نولِ اهتماماً حقيقياً بعلوم الدين، وتركنا الحبل على الغارب انحرفت البوصلة، وعندما لم ندرس ثقافات الأمم حدثت عزلة مريبة بيننا وبينها، وتغلبَّت ثقافة الصراع على ثقافة التعايش .

علم النفس على سبيل المثال يحتاجه المعلم لكي يحسن التعامل مع تلاميذه مراعياً خصائص النمو، ويحتاجه الطبيب ليضع لمساته الحانية لمرضاه إلى جوار مشرط عملياته الجراحية، ويحتاجه القائد العسكري ليضع خططه في الحرب النفسية وصد الإشاعات ورفع الروح المعنوية لدى الجنود، وهكذا .

إن العلوم الإنسانية بمثابة الروح لجسد الحضارة ، والنور لعينها ، ولا بد لإحداث أي نهضة من التوجّه إلى دراسة العلوم الإنسانية بشكل جاد، ولا بد – والحال هذه – أن يتوجه النوابغ وأصحاب القدرات العليا إلى العلوم الإنسانية، وأن تتغيَّر نظرة المجتمع نحوها؛ فتطور العلوم الإنسانية سيرافقها تطور في العلوم الطبيعية والتكنولوجية، وبذلك تُبنى الحضارة، وتحدث النهضة .

[1] ) البروفيسور ديارميد ماكولوتش ، https://www.thebritishacademy.ac.uk/

[2] ) (https://www.dictionary.com/)

[3] ) https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22052017&id=89d67d5d-39c1-4153-92d3-be87669b966a