النهضة الماليزية

النهضة الماليزية د عبدالقوي القدسي

النهضة الماليزية
   د عبدالقوي القدسي

بسبب موقعها الاستراتيجي فقد تعرضت ماليزيا “آسيا المصغرة” لهجمات الغزاة المتكررة، واستقلت سنة 1957 من الاحتلال البريطاني، ولم يكن لماليزيا كدولة موحدة وجود حتى عام 1963 حيث توحدت 14 سلطنة،  وتمّ طرد سنغافورة من الاتحاد في 9 أغسطس 1965، وحالياً تتكون ماليزيا من (13) ولاية . عدد سكان ماليزيا أكثر من 30 مليون نسمة سنة 2014. ومساحتها 329,845 كم2 ، وفي ماليزيا 3 عرقيات: نسبة المسلمين تزيد عن 60% ، الصينيون 22% ، والهنود تزيد نسبتهم عن 7%  ويتوزع الباقون على أعراق وديانات مختلفة .

عارضت إندونيسيا الوحدة الماليزية ونجم عن ذلك مواجهة عسكرية بين البلدين بين عامي 1963 و1966 ، وحدثت اضطرابات داخلية عِرْقية بين الصينيين، والملايو 13 مايو 1969 أدّت إلى مقتل 150 صينياً و عدد 25 من الملايو، نسبة الفقر قلت من 71%  إلى 1% وانخفضت نسبة البطالة من 10% خلال فترة الستينيات إلى 3%  عام 2007، وحالياً نسبة البطالة تصل إلى الصفر، وعوضاً عن ذلك فقد تم استيعاب ما يزيد عن 3 ملايين من العمالة الأجنبية، وفي نهاية التسعينيات تجاوزت ماليزيا أزمة الديون الخارجية. حتى عام 1965 لم يكن هناك أي شجرة لزيت النخيل، وتم استيراد عدد منها في نفس العام لتصبح ماليزيا على مدى العشر السنوات الأخيرة أهم مصدر لزيت النخيل([1]).

“ماليزيا تخصص -سنوياً- ما نسبته 20-25٪ من الميزانية العامة للدولة للتعليم والتدريب، بما يفوق ما تنفقه على الجيش والدفاع بثلاثة أضعاف” وهذا يعني بأن الحكومة الماليزية أفردت اهتماماً خاصاً بالتعليم،  وفي عام 1996 قامت الحكومة الماليزية بوضع خطة تقنية شاملة من أهم أهدافها إدخال الحاسب الآلي والارتباط بشبكة الإنترنت في كل مدرسة، وأنشأت العديد من المدارس الذكية .

قررت ماليزيا التحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، ولم يكن تحقيق ماليزيا لنموٍ اقتصاديٍ مطردٍ إلا انعكاساً مضطرداً للاستثمار في البشر، فقد نجحت في تأسيس نظامٍ تعليميٍ قويٍّ ساعَدَها على تلبية الحاجة من قوة العمالة الماهرة، كما أسهم في عملية التحول الاقتصادي من قطاع تقليدي زراعي إلى قطاع صناعي حديث ، ونجاح السياسة التعليمية أدى إلى تحقيقِ الاقتصادِ الماليزي تراكماً كبيراً من  رأس المال البشري الذي هو عمود التربية وجوهرها.

إذا توفرت الإرادة والقيادات المخلصة، فإن ما يُعد مستحيلاً في نظر البعض، يصبح ممكناً، فماليزيا التي هي عبارة عن غابات كثيفة تحولت إلى مدن حديثة تنبض بالحياة في فترة وجيزة.

في ختام أعمال مؤتمر الصناعة مستقبل اليمن، الذي عقد في اليمن بتاريخ 2008 قال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد : إن على الحكومات أن تعي أهمية الحاجة للتغيير، والخوض في التصنيع لخلق فرص عملٍ والتخفيف من الفقر، وقال:” هذا ما حققناه في ماليزيا، حيث لم نكن نمتلك التكنولوجيا الحديثة ..لكننا دعونا المستثمرين الأجانب ليستثمروا في مجال التصنيع ، وبفضل تضافر جهود الجميع حققنا النجاح “.
وشدَّد على ضرورة التعاون الجيد بين الحكومة والقطاع الخاص، وقال:” ما قمنابه في ماليزيا هو طرح فكرة، (ماليزيا المحدودة ) أي عَمِلنا كأننا شركة، وأوصلناها إلى نقطة النجاح ليكون الجميع في نهاية المطاف رابحين، فالعمال يحصلون على أجور جيدة، والحكومة تتحصل على ضرائب أكثر، كما أن القطاع الخاص يحقق أرباحاً” وقال:” لا يوجد عمالة عملاقة وأخرى ضعيفة، فالناس يستطيعون عملَ كل شيئ فنحن في ماليزيا رفعنا شعار: “ماليزيا تستطيع” أي أننا قادرون على القيام بأي شيئ نرغب فيه، وعلى اليمن أن يكون لديه شعار مماثل “.
كما أكّد مهاتير أن العالم العربي يستطيع أن يحقق نتائج أفضل مما حققته ماليزيا؛ لأنه يمتلك الموارد والمواد الخام،
وأكد أنَّ ماليزيا كان لها أن تتطور بدونه، وقال :”ما قمتُ به هو تسريع عملية تنفيذ الخطط، وعدم إبقائها حِبراً على ورق ولضمان ذلك حرصت على استلام تقارير بصفة مستمرة عن مستوى الإنجاز ومعالجة أي إشكاليات تعترض تنفيذ أية خطة” ([2]).

ماليزيا الحديثة كانت يوماً ما غابات تسرح الحيوانات المفترسة في أرجائها وتمرح، وكانت الأمطار الغزيرة تعيق الحركة ، والسيول الجارفة تهدد حياة الناس، وبفعل النهضة الماليزية امتلكت ماليزيا بنية تحتية قوية، وشبكة طرق بديعة، وكانت ماليزيا عُرضة للصِّدام بين القوميات والعِرقيات المختلفة فأصبحت أنموذجاً للتعايش بفضل تشريعاتها الصارمة المبنية على الاحترام المتبادل والشراكة. لا تمتلك ماليزيا ثروات طبيعية هائلة، وإنما امتلكت إرادة قوية ووجهت اهتمامها صوب”الإنسان” تدريباً وتأهيلاً، فاستعاضت بالثروة البشرية عن الثروة الطبيعية. لقد أصبحت ماليزيا أنموذجاً في التعايش، والتعليم، والتصنيع، ولا تزال تطمح لتحقيق المزيد.

التجربة الماليزية لا تقدم وصفة سحرية للمناطق المضطربة في العالم العربي، ولكن يمكن دراسة أهم الأسس التي قامت عليها النهضة الماليزية، والتي أهمها :

  • معادلة الكل يكسب
  • الاستقرار السياسي الناتج عن تحالف اللاعبين الكبار
  • تبني نظام انتخابي يعطي فرصاً أكبر لفوز الأحزاب والتحالفات الكبيرة
  • إيجاد رؤى تنموية طويلة الأمد .
  • نظام تعلمي حديث

في حال استقرار الوضع– والذي نأمل أن يكون قريباً – فإن اليمن مرشحٌ لأن يقود نهضةً في جميع المجالات، فالثروة البشرية والثروة الطبيعية، والرصيد السياسي، والتجربة الديمقراطية، والموقع الجغرافي، والتجانس، ووحدة الدين واللغة،  هي عوامل قوة، وإذا أضيف لها عنصر العزيمة والإصرار والتحدي الذي تمتاز به رجالات اليمن ونساؤها فإن نهضتها ستكون عظيمة، ولا ينبغي أن يصيبنا اليأس بسبب أوضاع اليمن البائسة اليوم، ومقدار الدمار الذي تعرضت له، فقد تعرضت اليابان وألمانيا وكثير من الدول إلى أضعاف ما تعرضت له اليمن من دمار ، ولم يمنعها ذلك من الأخذ بزمام المبادرة، وإحداث النهضة الشاملة.

 

[1] ) محمد صادق إسماعيل، التجربة الماليزية، مهاتير محمد والصحوة الاقتصادية، file:///C:/Users/DELL/Downloads/download-pdf-ebooks.org-1516709674Qf7W1.pdf

[2] ) http://www.yemen-nic.info/news/detail.php?ID=19696