فَرطُ القلقِ

فَرطُ القلقِ موتٌ مُحقَّق د.عبدالقوي القدسي

فَرطُ القلقِ
د.عبدالقوي القدسي

يقول أفلاطون: ” إن أكبر أخطاء الأطباء أنهم يحاولون علاج الجسد دون العقل، في حين أن الجسد والعقل وجهان لشيء واحد” ويقول ديل كارنيجي المتوفى 1955 في كتابه ” دع القلق وابدأ الحياة” : ” لقد هزم الطب، أو كاد ، الأمراض التي تسببها الجراثيم، كالجدري والكوليرا، والحمّى الصفراء، وغيرها ، ولكنه – أي الطب – وقف عاجزاً أمام القلق، لقد أثبتت الإحصاءات أن القلق هو القاتل رقم (1) في أمريكا، في سِني الحرب العالمية الثانية قتل ما يقارب ثلث مليون مقاتل ، وفي نفس الفترة قضى القلق الناتج عن توتر الأعصاب على مليون نسمة” .

يشهد العالم هذه الأيام جائحة سببها انتشار( CORONAVIRUS ) فيروس كورونا أو (COVID-19). بدأ الفيروس في الصين، وما لبث أن تجاوز الحدود، إلى غيرها من دول العالم. لقد أُعلنت حالة الطوارئ العالمية لمحاولة السيطرة على الفيروس. أُغلقت الدول الحدود، وتعطلت المطارات، وتوقفت عجلة التنمية، ومُنيت الكثير من دول العالم بخسارات لم تشهد لها مثيلاً من قبل. أُغلقت دور العبادة، وشوهدت الكعبة خالية من الطائفين، وتوقفت صلاة الجمعة، والجماعات.

إن محطات التلفزة العالمية تفرغت للحديث عن كورونا، ووُضعت قوات الجيش والأمن في حالة التأهب القصوى؛ لمواجهة هذا الغازي الذي لا يُرى بالعين المجردة، ولا يمتلك أسلحة نووية، ولا جيوشاً جرارة. لقد طُلب من الناس المكوث في بيوتهم، وأقرت بعض الدول عقوبات قاسية لمن يخالف قوانين الحجر، وحظر التجوال. رسائل الواتس أب لا تتوقف، إنها تستقبل الجديد في شأن الفيروس. لقد توحد العالم في مواجهة عدو واحد مشترك، وهو فيروس كورونا، وأصبح الناس يتلهفون وينتظرون – بفارغ الصبر- الساعة التي سيعلن فيها العالم انتصاره على العدو الأخطر. ستكون ساعة استثنائية بامتياز!

لقد أصيب الناس بالهلع والذعر، وتسربت إلى نفوس الكثيرين مشاعر الخوف، وسيطر القلق، حتى أصبح البعض يتوقع الإصابة بالفيروس عند كل خطوة يخطوها، وعند كل عَطْسَة عارضة له أو لغيره . ليس هناك شيء آمن، فالسلام لا يكون إلا بالعين أو النظر، والمصافحة خطر، ومجرد الزكام يثير الرعب ، ولو سقط شخص فجأة بسبب الدوار أو لأي سبب آخر لولَّى القريبون منه الأدبار،. إنه فَرْطُ القلقِ من كورونا!

كما أنه لا يجب التهوين من شأن الفيروس، فكذلك لا يجب التهويل إلى درجة أن يموت البعض خوفاً من المرض دون أن يصاب به. يقول الدكتور جوزيف: ” إن قرحة المعدة لا تأتي مما تأكله، ولكنها تأتي مما يأكلك” .[1]

كشف موقع “ورلد ميتر” للإحصائيات نسبة الوفيات بأمراض أخرى مقارنة بفيروس كورونا منذ بداية انتشاره.

وبحسب الموقع، فإن فيروس الكورونا أقل قتلًا وضراوة من باقي الأمراض، حيث بلغ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا أكثر من 89 ألف حالة،  منها 45 ألف حالة شفاء وحوالي 3 آلاف حالة وفاة،  في حين تم تسجيل أكثر من 82  ألف حالة وفاة من نزلة البرد العادية (الإنفلونزا العادية). وبلغ عدد الوفيات من متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) حوالي 285 ألف حالة  وأكثر من مليون شخص توفي من مرض السرطان  وأكثر من 423 ألف شخص بسبب الإدمان على الكحول.أودت إنفلونزا 1918، بحياة 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم ،.وفقًا للخبراء في كلية تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد الأمريكية، يصبح فيروس كورونا أكثر خطورة مع التقدم في العمر.[2] وتوصلت دراسة صينية حديثة إلى أن نسبة حالات الوفاة الناجمة عن الإصابة بالفيروس هي 2.3%.[3]

إن أسباب الوقاية من هذا الوباء تنقسم إلى قسمين – من وجهة نظري- : أسباب مادية، وهذا ما يتمثل بما تتخذه الدول من الحجر الصحي، وكافة الإجراءات الاحترازية . وأسباب روحية، وهنا يأتي دور تعميق الإيمان والدعاء واللجوء إلى الله تعالى.

مجرد أن يؤمن الإنسان بأن الحياة والموت بيد الله، فإنه يعيش في راحة واطمئنان، وإذا توجه الإنسان إلى الله بالدعاء فقد أوى إلى ركن شديد، وحرارة الوصال بالله تذيب جبال الثلج الناشئة عن الخوف والقلق من كورونا.

إننا بحاجة ماسة إلى أن ننشر الأمان في بيوتنا، وأن نعيش أيامنا بهدوء واطمئنان، وأن نجعل من مكوثنا في المنازل مناسبة لتقوية روابط الأسرة، وإفساح المجال للحديث مع أبنائنا ونسائنا، وليس من الحكمة – من وجهة نظري – المبالغة في تقدير المخاطر، وبث الرعب بين الأهل، ولنسأل أنفسنا : كم عدد الذين أصيبوا بفيروس كورونا؟ وكم المصابون بغيره من الأمراض؟ كم أعداد الذين يشتركون في الحروب؟ وكم عدد الذين يُقتلون فيها؟

يُحكى أن أحد المرضى أصيب بمرض خطير، ,قرر طبيبه المعالج بأنه سيموت بعد أشهر، ولا أمل في شفائه، فكانت المفاجأة! لقد مات الطبيب، وعاش المريض بعده عشرين عاماً. وأعرف رجلاً أصيب بالسرطان، وكان يعيش حياته بشكل طبيعي قبل أن يجري فحص الكشف عن السرطان، ولكنه  سرعان ما انهار بعد أن أجرى الفحص واكتشف المرض، وخارت قواه، لقد ضَمُر جسده، وذهب بهاءُ وجهه، وكان يتخيل الموت في كل لحظة، فمات من شدة القلق . فَرطُ القلق من فيروس كورونا، أو فوبيا كورونا – إن صح لنا التعبير – هل سيغير من الحقائق شيئاً؟ إن الفزع الدائم هل سيحول بيننا وبين آجالنا؟ إنه على العكس من ذلك، يوهِن القُوى، وينال من عزيمة الإنسان وإيمانه.

وخلاصة القول :

إن واجب الساعة لمواجة فيروس كورونا يُحتّم علينا الأخذ بالأسباب المادية، والإيمانية معاً، فتمتين جسور التواصل بالله تعالى، مصدر القوة، ورفع أكُفِّ الضراعة إليه الخالق بطلب رفع البلاء، لا يقل أهمية عن الإلتزام التام بإجراءات السلطات المسؤولة، وأما فَرط القلق فهو الموتٌ المحقق، لا يميت الروح – فحسب – بل يميت الجسد أيضاً، وليس هناك أسوأ من المصيبة، سوى ترقُّب وقوعها.

[1] https://www.amazon.com/Nervous-Stomach-Trouble-Joseph-Montague/dp/B000P1BP6M

[2] https://www.youtube.com/watch?v=z24ud5tUhwA

[3] https://www.aljazeera.net/news/healthmedicine/2020/2/18