القياس والتقويم التربوي

القياس والتقويم التربوي د.عبدالقوي القدسي

القياس والتقويم التربوي
   د.عبدالقوي القدسي

تَردُ مصطلحات الاختبارات، القياس، التقييم، والتقويم، والتغذية الراجعة في مجال التربية والتعليم ليدل كلٌ منها على معنى يميزه عن غيره، فالاختبارات بأنواعها هي أدوات قياس تؤدي إلى الحصول على معلومات كَميَّة لتقييم شيء ما[1]، وتستخدم في قياس التحصيل أو التقدم في العملية التعليمية والتربوية، والتقييم الذي يعني إعطاء القيمة أو التثمين، عملية تأتي بعد عملية القياس الذي يعني تقدير الأشياء والمستويات تقديراً كَمياً وفقَ إطار معين من المقاييس المتدرجة، فالقول بأن الطالب ضعيف أو جيد أو ممتاز هو العملية التي نطلق عليها “التقييم”، ويأتي التقويم كمحصلة نهائية للمصطلحات الأربعة سالفة الذكر، ويعني إعطاء حكم بناءَ على وصف كمي أو كيفي[2]، وتعديل المسار بعد إصدار التقييم، وأما ما يُطلق عليه بالتغذية الراجعة (Feedback)  فإنها من أهم وظائف التقويم، والتي يترتب عليها إعادة المعلم النظر في أساليب تدريسه أو تصميم الاختبارات أو اختيار الاستراتيجيات الكفيلة بتحسيين العملية التعليمية.

هناك ترابط وصلة وثيقة بين المصطلحات السابقة، فالتقويم (Evaluation) معتمد على التقييم( Assessment) والتقييم يأتي بعد القياس ( Measurement) ، والاختبارات ( Examination)  هي أدوات القياس المختلفة. فالمعلم الذي يحكم على الطالب بأنه ضعيف في موضوع ما، فإن حكمه هذا مَبنيٌ على اختبارات كشفت له حقيقة المستوى،وبذلك أصدر الحكم، ووضع خطة لتجاوز الضعف.

احتاج الإنسان لقياس الطول والوزن والمساحات بأنواعها منذ القدم، ولذلك فقد اكتشف مقاييس مختلفة لتغطية تلك الاحتياجات، وقد قيل: ” الحاجة أم الاختراع”،  فالشّبر والذراع والصاع والكيلو والقدم والمتر والترمومتر ما هي إلا أدوات قياس تطورت دقتها بتطور حياة الإنسان على الأرض.

احتاج الإنسان أيضاً إلى قياس التحصيل لدى المتعلمين، ولكنه  يبدو أكثر تعقيداً في الجانب التربوي منه في الظواهر الطبيعية، فأداة قياس الظاهرة الطبيعية أو المادة الفيزيائية لا تكاد تخطئ في تحديد طول الفرد أو وزنه أو درجة حرارته، ولا تختلف نتيجتها إذا أُجريت في ظروف وأزمنة مختلفة، بينما قياس التحصيل أو نسبة الذكاء أو قياس القلق تتحكم فيه الكثير من العوامل التي تسهم في زيادة ما يسمى بأخطاء القياس، فنتيجة قياس طول الطالب قبل الاختبار وبعده واحدة، بينما لو قمنا بقياس نسبة القلق لديه قبل الاختبار وبعد الاختبار لكانت النتيجة مختلفة، ومن هنا فإن التربويين قدموا أدوات قياس كثيرة لقياس الظاهرة النفسية، وقياس التحصيل العلمي، ورغم كل ذلك، فإن نسبة الخطأ في نتيجة القياس تكون متحققة، فصدق الاختبار تؤثر فيه العديد من المتغيرات مما يعرف بأخطاء القياس العشوائية ( Random Errors ) أو المنتظمة ( Systematic Errors ). كما أن القياس فيما يتعلق بالجوانب الفيزيائية قياس مباشر للصفة مباشرة، كالطول والحجم والوزن، بينما لا نستطيع قياس الصفة مباشرة  في الجوانب التربوية والتعليمية، ولكن نقيسها بواسطة الآثار المترتبة عليها كالذكاء والانتباه والإيمان والعواطف والشعور والاتجاهات.

عند قياس التحصيل أو الرأي أو نسبة الذكاء أو غيرها، فإنه يجب اختيار الأداة المناسبة للحصول على نتائج صادقة وغير مضللة، تماماً كتلك الأدوات التي نستخدمها عند قياس الأطوال أو الأوزان أو المواد، فلا شك بأن المتر بوحداته المختلفة هو مقياس أدق من الشبر أو الذراع أو القَدم في قياس الطول، فالشبر – على سبيل المثال – يختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن أن يعطي نتائج دقيقة.

المعلم الذي يعتمد على اختبار الورقة والقلم في قياس المهارات اللغوية أو جودة القراءة أو تلاوة القرآن يكون قد اختار أداة غير مناسبة ولا تعطي نتائج صادقة عن مستوى التحصيل، فقد يحقق الطالب الدرجة الكاملة (Full mark) في الاختبار لكنه لا يجيد الحديث مرتجلاً لدقيقة واحدة، أو لا يستطيع تلاوة آية واحدة خالية من الأخطاء، فاختيار الأداة المناسبة للقياس هي المدخل الأساسي للحصول على نتائج أكثر صدقاً ومن ثم البناء عليها.

الدرجة التي يحصل عليها الطالب هي درجة غير حقيقية، بل تسمى بالدرجة الظاهرة، فالدرجة الحقيقية للطالب تساوي الدرجة التي حصل عليها مضافٌ إليها أخطاء القياس، وعلى سبيل المثال، فإن الدرجة التالية (20/30) التي حصل عليها الطالب في اختبار اللغة العربية يمكن أن تتغير فيما لو أجري الاختبار لنفس الطالب في ظروف مختلفة، وأخطاء القياس المحتملة في الدرجة قد تكون أخطاء عشوائية، مثل : ( التخمين – الحالة النفسية  للطالب– الغش – طبيعة الاختبار – جو الاختبار – الجوع – درجة حرارة الصف – الضوضاء – غموض فقرات الاختبار) وغيرها من المتغيرات التي قد تقود الطالب إلى استجابات بناء عليها وليس بناء على ما يمتلكه من خبرات تعلمية. وهناك أخطاء قياس منتظمة ،كالخطأ في تعليمات الاختبار أو عدم كفاية الوقت المحدد لأدائه، وكثيراً ما يكتشف التلاميذ ما وقعوا فيه من أخطاء بعد مغادرتهم قاعة الاختبار. فالدرجة التي يحصل عليها الطالب إذاً ليست حقيقية؛ ولذلك فإن التنويع من أدوات القياس والتقويم هو الأنسب للحصول على نتائج أكثر صدقاً.

تغفل المدراس التقليدية عن أدوات كثيرة يمكن من خلالها الكشف عن مستوى التلاميد وتحصيلهم الدراسي ونموهم المعرفي، وبذلك فإنها تفشل في إدارة عملية التعلم والتعليم. كما أن أولياء الأمور في المدرسة التقليدية لا يهتمون سوى بالدرجة الظاهرية التي يحصل عليها المتعلم، ولربما أحدث البعض ضجيجاً، وجلَبَة للمدرسة وللمعلم إذا لم يجدوا الدرجة التي يصبون إليها مرتسمة على كراس الطالب.

يقول ثورندايك صاحب نظرية التعلم بالمحاولة والخطأ: ” إذا وُجد شيء فإنه يوجد بمقدار، فإذا كان موجوداً بمقدار فإنه يمكن قياسه“، ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن القياس والتقويم التربوي وضرورة  تدريب المعلمين والمشرفين في المدارس وأعضاء هيئات التدريس في الجامعات على المهارات والكفايات اللازمة لتأدية المهام المناطة بهم بدقة.

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات نتناول فيها موضوع القياس والتقويم التربوي، والتي نهدف من خلالها إلى الإسهام في تأهيل العاملين في مجال التربية والتعليم للقيام بمهامهم بكفاءة واقتدار، وتأتي هذه المقالات متزامنة مع برامج تدريبية نقيمها عبر برامج البث المباشر أو وسائل التواصل الاجتماعي، ونرجو أن تكون إضافة نوعية تتكامل مع جهود مؤسسات التعليم الحكومية الرامية إلى تطوير العملية التعليمية .

 

[1] فرج، صفوت (1997) : القياس النفسي، ط3 ،القاهرة، الأنجلو المصرية.

[2] اسماعيل وحدي ، مزياني الوناس (2017) التقويم التربوي مفهومه، أهميته