مبادئ التقويم التربوي

مبادئ التقويم التربوي د.عبدالقوي القدسي

مبادئ التقويم التربوي
د.عبدالقوي القدسي

لكل نظام مدخلات ومخرجات وعمليات، وهذا النظام مرتبط بالتخطيط والتنفيذ والتقويم، وقد استعرضنا في مقال سابق الفرق بين الاختبار والقياس والتقييم والتقويم، وأشرنا إلى ارتباط التغذية الراجعة بالتقويم، فالتقويم لا تقتصر وظيفته على إصدار حكم قيمي كمي أو كيفي على سير العملية التعليمية وإنما يتعدى ذلك إلى إصلاح الخلل ورأب الصدع من خلال عملية مركزة وفاحصة لجميع عناصر العملية التعليمية والتربوية من المدخلات والمخرجات والعمليات المكونة للنظام.

في هذا المقال سنشير إلى مبادئ التقويم التربوي الذي يُعد من أهم ما يجب القيام به لكل مؤسسة تعليمية تنشد التطوير والتحسين المستمر والمنافسة في سوق العمل أو المنافسة الحضارية على مستوى الشعوب والعالم. إذ إن عمليات التخطيط والتنفيذ وما يترتب عليها من جهود وما يبذل فيها من أموال تظل شكلية وغير ذات جدوى إن لم ترافقها عملية تقويم مستمرة، ولا معنى لخطة تصاغ على الورق وليس لها تطبيق في الميدان أو تكتفي بالتقييم الشكلي وتجميع النقاط دون التعديل والتطوير والتحسين.

هناك مبادئ عامة للتقويم التربوي يجب الوقوف عندها؛ لأنها ستحدد المعالم والمنطلقات الأساسية للبدء بعمليات التقويم وفق المنهجية العلمية الهادفة والمخططة. ومن أهم تلك المبادئ[1] :

  • التقويم عملية إنسانية . Evaluation is a humanitarian process
  • التقويم عملية تعاونية . Evaluation is a collaborative process
  • التقويم عملية شاملة Evaluation is a comprehensive process
  • التقويم عملية مستمرة Evaluation is an ongoing process
  • التقويم وسيلة وليس غاية . Evaluation is a means, not an end

يختلف التقويم التربوي عن غيره في المجالات الأخرى؛ وذلك لأننا نستهدف الإنسان، ولا شك فإن المهمة تكون أكثر صعوبة، واستحضار البعد الإنساني أثناء عملية التقويم يساعد على الغوص في أعماق المشكلات التي تواجه النظام التعليمي، فأداء المعلم -على سبيل المثال – يمكن تطويره وتحسينه، بتحسين فرص التدريب والتأهيل والدعم المادي والمعنوي. ولأن المتعلم هو محور العملية التعليمية فإن مراعاة الناحية الإنسانية أمر في غاية الأهمية. فإصدار أحكام نهائية على أدائه لا يكون صائباً مهما كانت دقة المقاييس المستخدمة إذ لا بد أن يرافق ذلك دراسة أسباب الإخفاق والجوانب الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالمتعلم واقتراح المعالجات الكفيلة بتجاوز حالات الإخفاق أو الإحباط المصاحبة لعملية التعلم.

التقويم عملية تعاونية، ولا بد أن يشترك فيها جميع المرتبطين بعملية التعلم والتعليم، فالتقويم على مستوى المدرسة يشترك فيه المتعلم والمعلم والإدارة وولي الأمر والخبراء والمهتمين والمسؤولين في الجهات التعليمية العليا التي لها ارتباط مباشر بالمدرسة، وأما التقويم على مستوى البلاد فلا بد أن يشترك فيه أهل السياسة والاقتصاد والعسكريون والأمن وشركاء التنمية والإعلام وكل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعمليات التعلم والتعليم. والتقويم في هذه الحالة قد يترتب عليه تغيير شامل يتوافق مع توجهات البلد في المرحلة الراهنة أو المستقبلية.

والتقويم عملية شاملة يجب أن تتناول جميع عناصر العملية التعليمية بكل المدخلات والمخرجات والعمليات، فلا بد والحال هذا من تقويم المتعلم والمبنى والكتاب والمنهج بمفهومه الشامل من محتوى وأنشطة ووسائل، كما يجب أن يشمل تقويم الإدارة ومستوى التعاون بينها وبين ولي الأمر والجهات المسؤولة عن التعليم. ويجب أن يشمل التقويم كل عمليات التعليم والتعلم والتفاعل والنشاط المصاحب، والوقوف عند المخرجات ومقارنتها بالمدخلات وبمدى التقدم في تحقيق الأهداف المرسومة ، ولا بد أن نشير هنا إلى إن الكثير من المخرجات تكون مضللة وخادعة، من حيث عدم ارتباطها بالأهداف المرسومة أو تركيزها على الكَمّ دون الكيف. كما إن التقويم يشمل الأهداف من حيث جودة صياغتها وارتباطها بالواقع وفعاليتها. كما يشمل أيضاً أدوات القياس والعمليات المعتمدة للتقييم والتقويم كالاختبارات بأنواعها، فالخطأ في عمليات التقويم يؤثر على دقة الحكم على العملية التعليمية.

والتقويم ليس عملية وقتية أو قائمة على رغبات وأمزجة القائمين عليه، بل هو عملية مستمرة منظمة معيارية تشمل أيضاً القائمين على التعليم؛ لأن مخرجات التعليم مرتبطة بالمصالح العليا للبلد، وما القائمون على التعليم إلا تُرُساً في عجلة التنمية الشاملة، ولربما وجدنا الخلل فيها، فكان لزاماً على المجتمع اتخاذ القرار بسرعة المعالجة. والتقويم المستمر يضمن التحسين والتطوير المستمر، وهو ما تنشده البلدان.

وأخيراً فالتقويم وسيلة وليس غاية، فكم من عمليات التقويم ظلت حبراً على ورق رغم التكاليف الباهظة التي رصدت لها؟!! إن عمليات التقويم ليست عملاً روتينياً يقوم به البعض ليرفع تقريراً للجهات المسؤولة بالإنجاز، وليس عملاً تجميلياً يتم الاستعرض بمجرد إجرائه. إن عمليات التقويم التي لا يترتب عليها تطوير وتحسين وتغيير لا قيمة لها ولا تبشر بالتغيير على المستوى القريب أو البعيد.

ولضمان الجودة والتحسين المستمر، لابد أن يقوم المسؤولون بعمليات التقويم الذاتي بناءً على المحكات الدالة على جودة الأداء، فيقوم أعضاء هيئة التدريس والموظفون المسؤولون عن الأنشطة المختلفة بتقويم مستوى الأداء حسب هذه المحكات، واستناداً على أدلة وبراهين وشواهد مناسبة، مع دعم ذلك بمؤشرات الأداء والمقارنات المرجعية مع برامج أخرى ذات مستوى عالٍ من الجودة، وخاصة في المجالات ذات الأهمية الكبيرة. ويُدعم هذا التقويم الذاتي بالرأي المستقل عن طريق مقوم أو مقومين مستقلين من خارج المؤسسة؛ لتعزيز مصداقية التقويم وموضوعيته ودقته، هذا على مستوى المؤسسة التعليمية، وأما على المستوى الوطني، فعملية التقويم يجب أن تشمل كل ما له صلة بالتعليم وربطه بالفلسفة الوطنية واستراتيجيات البلد وأهدافها العليا.

نختم هذا المقال بالتساؤلات التالية :

كم من مؤسساتنا التعليمية تقوم بإجراء تقويم سنوي أو دوري ؟ وكم من تلك المؤسسات تقوم بالتقويم الشامل وتجعل من التقويم عملية مستمرة؟!! هل تقوم المؤسسات العليا في الدولة بدعوة كل من له علاقة بالتعليم في ورش عمل غرضها تقويم المسار وتعديل السلوك في النظم التعليمية المعتمدة ؟!!!وأخيراً ،كم من المؤسسات التي تقوم بعمليات التقويم  تقوم بتحويل نتائج التقويم إلى قرارات تنفيذية شاملة وحاسمة ؟!!

[1] استرتيجيات التقويم التربوي الحديث وأدوات، مصطفى دعمس https://bit.ly/3da02iz