المهارات قبل الشهادات

المهارات قبل الشهادات… المهارات الناعمة والصلبة د.عبدالقوي القدسي

المهارات قبل الشهادات ... المهارات الناعمة والصلبة
د.عبدالقوي القدسي

تتميز الحياة بالحركة الدائبة، وبحركة الحياة تتحرك كل مكوناتها من اقتصاد وتعليم وسياسة ونظم وغيرها، ولقد شهد التعليم عبر التاريخ البشري تحولات عديدة، وذلك نتاج طبيعي لارتباطه المباشر بالحياة، ولو عدنا بذاكرتنا الجمعية إلى الوراء لوجدنا بأن الإنسان في الماضي كان يهتم بنقل المهارات العملية المرتبطة بالزراعة أو الصناعة أو أدوات الحرب، وما يحتاجه من ملبس أو أدوات للطعام والشراب مستفيداً من موارد البيئة المتاحة.

لقد كان الإعداد على الفروسية وركوب الخيل ومهارات الضرب بالسيف والرمي بالسهم مُتطلَباً تعليمياً مهماً في حياة القبائل والشعوب، فحماية النفس والمال والعرض أو تأمين الاحتياجات بالغزو والتوسع على حساب الغير هي القوانين الحاكمة إذ ذاك، وبطبيعة الحال لم يعد للسيف ولا للفروسية قيمة بظهور المسدس والسلاح الحديث، لقد اختفى السيف، وما يتعلق به من بطولات.

الثورة الصناعية التي ظهرت باختراع الآلة البخارية في إنجلترا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي[1]وانتقلت بعد ذلك إلى دول غرب أوروبا ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم أحدثت تحولاً في تاريخ البشرية ، وثورة التكنولوجيا التي نشهدها اليوم قلبت العالم رأساً على عقب. وعلى إثر ذلك ظهرت أنواع جديدة من الأنظمة التعليمية وانزوت الأنظمة القديمة، وأصبح للشهادة  دورها في تحديد المكانة الاجتماعية والفرص في التوظيف، وظهر السُّلم التعليمي الذي لا بد من اجتياز مراحله للحصول على الشهادات، ويكفي أن نشير إلى إن الطالب الذي يود الحصول على درجة الدكتوراه  يجب أن يقضي في التعليم ما لا يقل عن عشرين سنة.

انصبَّ الاهتمام في الحصول على الشهادات، وبُذلت الجهود والأموال في سبيل الوصول إلى نيل أعلى الدرجات العلمية، وتوسعت الدول في إنشاء المدارس والجامعات حتى اكتسحت التكنولوجيا العالم، وبدأت الاحتياجات تتغير، وتغيَّر نمط الحياة تبعاً لذلك، ولم يعد الحصول على الشهادة عنصراً حاسماً للمنافسة في سوق العمل، فسوق العمل اليوم يتطلب مهارات عملية لا شهادات كرتونية.

منذ فترة والشركات الكبرى تقدم المهارات على الشهادات، ولها الحق في ذلك، فالموظف الذي يفتقر إلى المهارات الناعمة كالتواصل، وحل المشكلات أو التخطيط والتنظيم جنباً إلى جنب المهارات الصلبة، لا يكون مؤهلاً لشغل معظم المواقع الوظيفية، حتى ولو كان يحمل أعلى الشهادات.

ظهرت في الآونة الأخيرة مصطلحات كثيرة، وأهمها : المهارات الناعمة والمهارات الصلبة، فالمهارات الناعمة  ( soft skills) هي ما يبحث عنها سوق العمل في الخريجين من البرامج التعليمية المختلفة، وسوق العمل بحاجة إليها بنسبة 85%، بينما المهارات الصلبة أو (Hard Skills )  فتتميز بأنها ذات قواعد صارمة  أو غير مرنة،  ولا تتغير لأي عوامل خارجية أو داخلية أو طبيعية سوى بعض التحسين أو التطوير فيها. الحاجة إلى المهارات الصلبة لا تتعدى 15% بحسب خبراء سوق العمل؛ ولذلك فإن خبراء التعليم ينادون بضرورة التركيز على المهارات الناعمة في المناهج التعليمية جنباً إلى جنب مع المهارات الصلبة؛ حتى تكون مخرجات التعليم متناسبة مع احتياجات سوق العمل والإنتاج . قد يستخدم علماء الاجتماع مصطلح المهارات الناعمة لوصف حاصل الذكاء العاطفي للشخص (EQ) على عكس حاصل الذكاء (IQ)[2].

ما المهارات الناعمة؟ وما المهارات الصلبة ؟

هناك ثمان مهارات أساسية، وهي بطبيعة الحال قابلة للزيادة ، تسمى بالمهارات الناعمة ، وهي :

  1. مهارات التواصل
  2. مهارات التنظيم والتخطيط
  3. مهارات العمل ضمن فريق
  4. مهارات التأقلم والمرونة
  5. مهارات التفكير الناقد
  6. مهارات إدارة الأزمات
  7. مهارات الاحتراف
  8. مهارات التفاوض

وأما بالنسبة للمهارات الصلبة، فمن أهمها:

  1. مهارة استخدام الحاسب الآلي
  2. مهارة تحليل وإدارة البيانات
  3. مهارات الحساب والرياضيات
  4. مهارة إجادة لغات أجنبية
  5. مهارات البحث العلمي
  6. مهارات تصميمات الجرافيك

وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة 26 يونيو، أمرًا تنفيذياً بتوجيه تعليمات لفروع الحكومة الفدرالية، بالتركيز على المهارات بدلاً عن الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفدراليين، وتجدر الإشارة إلى أن شركة IBM قامت بتعيين 15 بالمائة من قوتها العاملة، من خلفيات غير تقليدية في العام الماضي، وذلك على أساس المهارة بدلا من المستوى التعليمي.

لدور أمريكا المحوري العالمي، فإن العالم سيشهد تغييراً جذرياً في الفلسفة التعليمية مستقبلاً، وسيُعد هذا القرار أحد أهم منطلقات التغيير، وإذا أضفنا ما شهده العالم من أحداث بسبب جائحة كورونا فإننا سنزداد يقيناً وإيماناً بحتمية التغيير.

من المؤسف أن بلدان العالم الثالث، وبالتحديد بلداننا العربية لا تزال متخلفة في النظام التعليمي التقليدي، فكيف سيكون حالها والعالم ينتقل إلى التعليم الحديث الذي يجرف بكل عنفوان حقبة النظام التعليمي التقليدي؟!!

وخلاصة القول:

النظام التقليدي القائم على اعتماد الشهادة كمدخل أساسي ومتطلب رئيس للتوظيف على وشك الأفول ليحل محله مُدخل المهارات الحياتية التي يتطلبها سوق العمل، ولعلنا نشهد تغيراً جذرياً عالمياً في نظام التعليم، وستتغير على إثره وظيفة المدرسة والجامعة التقليدية وأنماط التعليم التقليدية المختلفة، وعندها فلن يكون الناس بحاجة إلى شراء شهادات أو تزويرها أو الغش في الاختبارات، سيكونون – فقط – بحاجة إلى اكتساب المهارات التي تؤهلهم لسوق العمل، ومن الصعب شراء المهارات أو الغش فيها، ومن هنا يعاد للتعليم اعتباره ويكون للشهادة معناها.

 

 

 

[1] shorturl.at/fgDZ1

[2] https://www.investopedia.com/terms/s/soft-skills.asp