النظريات السلوكية

النظريات السلوكية Behavioral Theories د.عبدالقوي القدسي

النظريات السلوكية
 د.عبدالقوي القدسي

في المقال السابق” مدخل إلى نظريات التعلم” أشرنا إلى إن نظريات التعلم هي الأساس التي بُنيت عليها استراتيجيات التعلم ومناهج التعليم عموماً؛ ووضحنا الترابط بين النظريات من حيث سَعي كل نظرية لسد الثغرة التي تركتها سابقتها، والعمل على تقديم رؤية تميزها عن غيرها.

ظهرت المدرسة السلوكية سنة 1912 م في الولايات المتحدة الأميركية،ومن أشهر مؤسسيها جون واتسون[1]، والنظرية تركز على عدة قضايا، أهمها :

  • السلوك : وهو استجابة لمثير خارجي يتعرض له المتعلم.
  • المثير : وهو ما يتعرض له المتعلم، ويثير انتباهه في بيئته.
  • التعزيز والعقاب : تتولد الرغبة في العلم عند التعزيز الإيجابي وتقل حال العقوبة
  • التعلم : هو عملية تغيّر شبه دائم في سلوك الفرد.

تركز المدرسة السلوكية إذاً على السلوك، وتتخذ من القياس التجريبي مدخلاً لتفسير السلوك الإنساني وحدوث التعلم، وعلى الرغم من تركيز المدرسة السلوكية على المثيرات إلا إنها لا تهتم بالمثيرات الداخلية المرتبطة بمشاعرالإنسان، وبكل ما هو تجريدي غير قابل للتجريب والقياس والملاحظة، ولا تضع اعتباراً للعمليات العقلية وتوليد الأفكار والتفاعلات الذهنية المؤدية إلى الفهم العميق والقيام بالعمليات العقلية العليا، ولا تؤمن إلا بما هو محسوس وقابل للتجريب، ومن أهم نظريات المدرسة السلوكية :

  • نظرية الاشتراط الكلاسيكي لبافلوف
  • نظرية المحاولة والخطأ لثورندايك
  • نظرية الاشتراط الإجرائي لسكنر.
  • نظرية واتسون

لقد حاولت النظرية السلوكية إحداث التعلم من خلال تقديم المثيرات السمعية والبصرية وسائر المثيرات الحسية، وعلى هذا فإن المعلم يُعد أحد أهم المثيرات التي تدفع المتعلم إلى التعلم، وهو محور العملية التعليمية.

المعلم الناجح – وفقاً – للنظريات التقليدية هو القادر على السيطرة على الموقف التعليمي، وضبط الفصل وإدارة الحصة الدراسية، فالدور كله ينصب عليه، وما على المتعلم إلا أن يحفظ ما يتلقاه من المعلم، ويستذكر المعلومات التي يتلقاها بوعي أو بدون وعي، الأهم هو أن يحفظ!! وعلى الرغم من محاولات النظريات السلوكية تجاوز النظريات التقليدية في التعليم إلا إن دور المعلم ظل هو الأهم،  وظل المعلم هو ” محور العملية التعليمية”.

لا زلنا نتذكر تلك الأيام التي كان المعلمون يطلبون منا أن نُربّع أيدينا ونجلس بصمت حتى يكمل المعلم ما لديه، ويتم قرع الجرس إيذاناً بانتهاء الحصة الدراسية. لقد كان المعلمون عبارة عن وسيلة لنقل ما في بطون الكتب إلى أذهان المتعلمين . وكان المتعلم وما يزال في بعض الدول، متلقياً سلبياً، ولا يشارك إلا بالقدر الذي يُسمح له فيه.

قد يقول البعض : وما الضير في ذلك؟ لقد انتقلت إلينا العلوم بهذه الطريقة، والمعلم هو الأصل وما المتعلم إلا متلقياً للمعرفة.. لو أمعنا النظر في الأمر لوجدنا بأنه لم يحدث تعلم حقيقي، وإنما حدث تحفيظ، ونقل معرفة، والتحفيظ لا ينتج الإبداع بقدر ما ينتج التبعية! لقد أنتج هذا النوع من التعليم نسخاً مكرورة، فما أن يحفظ أحد شيئاً حتى يبدأ بنقله إلى غيره، هكذا دون حدوث أي حركة في اتجاه الإبداع والابتكار.

عندما تحوَّل مركز الثقل ومحور الاهتمام من المعلم إلى المتعلم حدثت طفرة في التعليم، وحدث تطور هائل في الحياة، وهذا التطور الحاصل لم يحدث منذ مئات السنين، وللقارئ أن يقارن بين ما حدث في الخمسين سنة الأخيرة بالقرون التي سبقتها ليدرك الفرق الشاسع في كل مجال من مجالات الحياة.

 

نتحدث عن النظريات السلوكية؛ لأهميتها في دراسة وتفسير السلوك الإنساني، ولأنها  أسست لبعض القوانين الهامة التي يمكن الاستفادة منها وتطويرها، وبالذات ما يتعلق بالتعزيز والمثيرات وسائر قوانين النظريات، وسيظل النقد لكل نظرية من نظريات التعلم قائماً ومستمراً باستمرار الحياة، وبحركتها الدائبة، وبذلك النقد نصل إلى الإبداع والابتكار.

[1] shorturl.at/flyzL