قات التربوية لنظرية ثورندايك

مراحل نظام التكيف الكلاسيكي لبافلوف (التطبيقات التربوية) د.عبدالقوي القدسي

ما يزال حديثنا عن نظرية الإشراط الكلاسيكي لبافلوف. تحدثنا عن الفكرة الرئيسة للنظرية والمرتبطة بالمثير والاستجابة، وحدوث التعلم إثر الربط بينهما، فانتهاء وقت الحصة يُعد مثيراً طبيعياً (غير شرطي) لدى الطلاب يدفعهم إلى الحركة والتهيؤ للخروج من القاعة أو الاستعداد لحصة أخرى، والجرس الذي يُقرع في نهاية وقت الحصة هو مثير شرطي يتم إقرانه من المتعلم بانتهاء الحصة فيتعلم مع التكرار بأن صوت الجرس يعني انتهاء وقت الحصة.

 

للمعلم أن يدير الموقف الصفي وأن يستخدم عدة مثيرات لغرض الحصول على الاستجابات المرغوبة من المتعلمين، فمعلم اللغة العربية – مثلاً – يقوم بإعداد الصور اللازمة لتعليم التلاميذ الحروف والكلمات، فيعمل على النطق بالحرف أو الكلمة ثم يعرض صورة معبرة للحرف أو الكلمة، فتحدث عملية الاقتران والربط، وبعدها يكون لدى المتعلم القدرة على قراءة الحرف أو الكلمة بمعزل عن الصورة، فيحدث التعلم. ومعلم مادة التاريخ كلما عرض الخريطة أمام التلاميذ، فإنهم يقومون بالربط بين الدول ومواقعها في الخريطة حتى يكون لديهم القدرة على قراءة الخريطة دون أن يكتب عليها شيء، فبمجرد عرضها يمكن للطالب تحديد موقع الدول والقارات والبحار وهكذا.

تحدث عملية التكيف على ثلاث مراحلَ هي[1]:

  1. مرحلة ما قبل التكيف : تتطلب هذه المرحلة حدوث تحفيزٍ طبيعيٍّ من شأنه أن يثير استجابةً تلقائيةً، ولا يوجد أي علاقةٍ بين المحفز المشروط وغير المشروط. ويمثل المحفز المشروط مجرد محفز محايد. فالمدرسة أو القاعة الدراسية أو البرنامج  أو المعلم، كلها مثيرات طبيعية (غير شرطية ) مثلها مثل الطعام والشراب وسائر الحاجات الإنسانية، فالطالب يتوجه إلى المدرسة أو الجامعة ويلتقي بمعلميه ويتوجه إلى قاعات الدروس بشكل طبيعي وتلقائي لطلب العلم لحاجته إليه، تماماً كما يذهب الجائع أو الظمآن إلى الطعام أو الشراب لسد حاجته.
  2. أثناء التكيف : في هذه المرحلة يقترن كل من المحفز المحايد (الذي يعرف الآن بالمحفز المشروط) وغير المشروط. فالمعلم الذي ترتسم الابتسامة على مُحياه أو ذاك الذي يُقطب جبينه وترتفع نبرات صوته الغاضبة بشكل متكرر يولد لدى المتعلمين استجابات من نوع ما، فيحدث التكيف ويصبح دخول المعلم المبتسم مدعاة للسرور، والعكس عند إقبال المعلم الغضوب أو المنفعل.
  3. بعد التكيف : بمجرد اقتران المحفزين، يصبح المحفز المشروط قادرًا على إثارة الاستجابة دون الحاجة إلى تقديم المحفز غير المشروط. وهكذا يصبح بإمكان المحفز المشروط تحفيز الاستجابة المشروطة للظهور.فابتسامة المعلم تكفي لجذب التلاميذ والتفاعل في الدرس والاستجابة والفهم، ولعلنا نتذكر العديد من المعلومات التي ارتبطت بطرفة أو موقف تمثيلي أو صورة أو حدث أو شيء أثارنا مما جعل الدماغ يقوم بحفظه في الذاكرة طويلة المدى. الابتسامة أو الطُّرفة تُعد بمثابة الإشراط الإيجابي والغضب وعبارات التخويف تُعد بمثابة الإشراط السلبي.

 

لو قام الأب بعقد جلسة مع أبنائه وناقشهم حول معلميهم وطلب منهم أن يعبروا عن انطباعاتهم لوجد استجابات مختلفة تعبر بجلاء عن واقع الحال، ولو تم الاقتراب من التلاميذ الذين عزفوا عن الدراسة أو تسربوا منها أو هربوا من المدرسة لوجدنا بأن تلك السلوكات قد ارتبطت بمثيرات أدت إليها. ربط الكذب بالعقوبة والصدق بالمكافأة يدفع للاستجابة الإيجابية، ومنهج القرآن في الربط بين السلوك الجيد والجنة والسلوك السيء والنار فيه تقديم لمثيرات تدفع المؤمن للقيام بالأعمال الصالحة والنفور عن الأعمال الطالحة.

يتحدث معلم مادة العلوم عن (الذرة) والطالب لا يعرف عن الذرة إلا تلك التي تمشي علي الأرض، فإذا ما قام المعلم بعرض صورة أو مقطع فيديو فإن المتعلم يقرن بين ذلك وبين الذرة المقصودة فيحدث التعلم ويميز بين الذرة وبين ما كان لديه من صورة ذهنية سابقة .

كنا ونحن صغار نطلق على (العصافير) اسم (العناصر)، وكان معلم العلوم عندما يشرح عن العناصر الفلزية واللافلزية نستغرب؛ لأننا نربط بين حديثه وبين العصافير  التي نراها على الأشجار، فإذا قام المعلم بربط المفهوم بصورة أو بمقطع فيديو فإن الخلط بين المفهومين يزول ويحدث التعلم.وهكذا.

 

إن الوقوف عند نظرية بافلوف ( (Pavlov يمثل وقفة في محطة هامة من محطات التاريخ العلمية التي كان لها أثر كبير في دفع العجلات التاريخية للمعرفة العلمية في مجالات علم النفس وعلم النفس الفيزيولوجي وفيزيولوجيا الدماغ . وستبقى نظرية بافلوف (Pavlov) الارتكاسية مركز إشعاع علمي تاريخي يرسم للمفكرين مسارات مضيئة في مجال علم النفس الفيزيولوجي .حيث يمكن توظيف نموذج الاشراط الكلاسيكي في مواقف علاجية[2]، ففي حالة الفوبيا ( Phobia) الخوف المرضي غير المنطقي يمكن البحث عن المثير الشرطي الذي كان محايداً ولا علاقة له بالخوف وصار قادراً على استجرار نفس الاستجابة . فإذا كان من المنطقي أن يخاف الطفل من الظلمة أو الصراصير أو الفئران فإنه من غير المنطقي أن يخاف من صوت قرع الباب مثلاً أو سماع صوت سيارة مارة في الطريق ، أو رؤية امرأة غريبة … الخ . هذا من حيث التفسير ، أما من حيث العلاج فيعتمد على إطفاء استجابة الخوف بتقديم المثير الشرطي دون إقرانه بالمثير الطبيعي المثير للخوف . أو إقران مثير جديد مع المثير الشرطي المثير لاستجابة الخوف وفي نفس وقت ظهور هذا المثير الجديد يقدم للطفل شيئاً يحبه ( حلوى ، حليب ، بسكويت ) . على أساس أن يتعلم الطفل أن هذا المثير الذي ينبغي أن يخيفه يحبه فيقدم له الحلوى مثلاً . وبالمثل يمكن للاشراط الكلاسيكي تفسير الانفعالات السارة لأحداث أو أشياء من حولنا مثل : رؤية القمر  بدراً ، منظر قوس قزح ، يوم ربيعي مشمس ، أنشودة محبوبة … الخ . إذ يمكن للمكان التي تمت فيه مثل هذه الأحداث أن تستجر الاستجابة الانفعالية السارة كالاسترخاء والشعور بالمتعة .

 

وما يؤسف له حقاً ، أن معطيات هذه النظرية القابلة لاستثمارات غير إنسانية ، وظفت بصورة غير إنسانية وخاصة في عمليات ” غسل الدماغ ” ،كما استخدمت في الحرب بصورة واسعة . لقد لجأ خبراء علم النفس السوفييت أثناء الحرب العالمية الثانية إلى توظيف الكلاب التي تم تشريطها سيكولوجيا على تناول الطعام تحت الدبابات والعربات حيث كانت الكلاب تجوع لمدة يوم كامل ثم تُوضع على جسدها ألغام  مضادة للدرع ومزودة بهوائي موجه إلى الأعلى بحيث يؤدي في حال ارتطامه بجسد الدبابة إلى الانفجار . وهكذا كان يتم إطلاق الكلاب في ساحات المعارك تحت تأثير الجوع والتي كانت تنقض بفعل الارتكاسات الشرطية البافلوفية  على الدبابات الألمانية فتنشر الرعب والموت في صفوف الألمان النازيين [3]. كما استخدمت هذه النظرية في جانب الدعاية للعديد من المنتجات، فكثير من فلسفة الرسومات على المشروبات أو المأكولات وغيرها تقوم على تقديم مثيرات جاذبة للجمهور تدفعهم إلى الإقبال عليها وتكوين استجابات إيجابية نحوها.

 

يجب على المعلم أن يهيء المثيرات التي تدفع التلاميذ إلى استجابات إيجابية وإلى حدوث التعلم، كما أنه في المقابل يجب عليه أن يكون سريع البديهة لما نسميه بـ (الانطفاء) كتوقُّف التلميذ عن المشاركة في الحصة، أو عزوفه عن الالتحاق بالنشاط أو البرنامج الذي كان متحمساً له. في هذه الحالات وما يشبهها، يجب أن يبحث المعلم عن المثيرات الشرطية التي تسبَّبَت في ذلك ويقوم بمعالجتها.كما يجب عليه الإبداع في المثيرات التي تعمل على وصول الطالب إلى (الانطفاء) تجاه السلوكات غير المرغوبة أو السلبية.

[1] https://www.thoughtco.com/classical-conditioning-definition-examples-4424672

[2] https://sst5.com/readArticle.aspx?ArtID=879&SecID=31

[3] المرجع السابق