النظرية البنائية

النظرية البنائية د.عبدالقوي القدسي

النظرية البنائية
  د.عبدالقوي القدسي

تؤكد النظرية البنائية[1] للتعلم على أهمية بناء المتعلمين، ثم إعادة بنائهم للمعاني الخاصة بأفكارهم المتعلقة بالعالم من حولهم، وأن الخبرة تتطلب إثارة لجميع الحواس عند المتعلم حتى يحصل على تعلم ذي معنى. ويمكن وصف البنائية من خلال المثل الصيني:  “أسمع وأنسى”، “أرى وأتذكر”، “أعمل وأفهم” . وقد أكدت الدراسات بأن التلاميذ يتعلمون 10% مما يرونه، 20% مما يسمعونه، و30% مما يتم تطبيقه عملياً،و 50% من المواد التعليمية التي تمت مناقشتها، 70% مما تمت ممارسته، و 90% مما تم تدريسه أي قام المتعلم بتدريسه.ولقد صنّف إدجار ديل  Edgar Dale الوسائل التعليمية علي أساس الخبرات التي تهيئها الوسائل في كتابه ” الطرق السمعية والبصرية في التدريس-Audio-visual Methods in Teaching “[2] في شكل مخروط سُمِّي مخروط الخبرة (Cone of Experience). وجعل الممارسة العملية والخبرات المُعَدّلة والمُمثّلة هي قاعدة المخروط أو الهرم الكفيلة بنقل المعرفة أو اكتساب المهارات، ولعلنا نأتي على شرح مخروط الخبرة لاحقاً حتى نعطيه حقه من التبيان.

 

عالم النفس السويسري فونديك – بياجيه – أوزبك المولود سنة 1896 هو رائد النظرية البنائية، والتي تنظر إلى المعرفة كبناء يبدأ من الجزء إلى الكل، وبذلك فمعارف الإنسان تتطور بحسب تطوره في النمو. تُعد النظرية البنائية في التربية جزءاً من التفكير الجديد الذي ينسب إلى بياجيه، وهذه النظرية تحتل مكانة متميزة بين نظريات التعلم الأخرى، واعتبارها طريقة تدريس مثالية في مجالي العلوم والرياضيات بصفة خاصة، والمجالات المعرفية الأخرى بصفة عامة، فالتعلم عملية تفاعل نشطة يستخدم فيها التلميذ أفكاره السابقة لإدراك معاني التجارب والخبرات الجديدة التي يتعرض لها.

 

ومن خـلال اسـتقراء أدبيـات التـراث النفـسي والتربـوي، لا يوجـد تعريـف محـدد للبنائيـة يحـوي بين ثناياه كل ما يتضمنه المفهوم من معان أو عمليات نفسية، بل حاول بعض منظـري البنائيـة تعريفهـــا مـــن خـــلال رؤى تعكـــس التيـــار الفكـــري الـــذي ينتمـــون إليـــه ســـواء كـــان تيـــاراً اجتماعياً، أو ثقافياً، أو نقـدياً، إلا أن خلاصة تحليل تلك الرؤى تدور حـول تعريـف البنائيـة علـى أنها: عمليـة إعـادة بنـاء المتعلمـين لمعـان جديـدة داخـل سـياق خبـرتهم الـسابقة. ويتضح من التعريف السابق :

  • تعد البنائية نظرية في التعلم.
  • يقوم المتعلم فيها ببناء معرفة جديدة.
  • يعتمد المتعلم على معرفته السابقة الموجودة في بنيته العقلية.

 

شكلت النظرية البنائية تطوراً هاماً في مجال التعليم وأصبح يشار إلى المدرسة السلوكية بالمدرسة التقليدية وإلى المدرسة البنائية وما تلاها بالمدرسة الحديثة، وانتقل مركز الثقل من المعلم إلى المتعلم وأصبح دور المعلم دوراً إشرافياً يقوم بتعليم التلميذ المهارات التي تؤهلهم لاكتساب المعارف بأنفسهم في مختلف العلوم الإنسانية والتطبيقية . إن المعلم بدلاً من توفير المعلومة للمتعلم، عليه أن يرشد التلميذ إلى مصادر تلك المعلومة، وبدلاً من أن يقوم هو بالبحث، وتقديم المعلومات للمتعلم على طبق من ذهب، فإن عليه أن يدفع المتعلم إلى البحث واكتشاف المعلومات من مصادرها المختلفة ومن البيئة المحلية. إن قيام المتعلم بالبحث عن المعرفة واكتشاف العلاقات بين الأشياء يُكسبه قدرات في مجال الاتصال والعلاقات جَنباً إلى جنب اكتسابه الثقة بالنفس والدافعية والذاتية.

 

وفقاً للنظرية البنائية التي تجعل من المتعلم محوراً للعملية التعليمية، فإنه يجب أن تتغير الكثير من آليات التعليم واستراتيجيات التدريس وأساليب التقويم في المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم المختلفة. وكما أن النظرية البنائية امتداد طبيعي لتطور الفكر التربوي، فهي أيضاً تُعدُّ من منطلقات التطوير والتحسين، فالزمن لا يتوقف عند نظرية أو في حدود فكرة، وكل يوم ونحن في جديد، وهذه هي سُنَّة ُالحياة، وكما قيل: من لم يتقدم يتقادم، ومن لم يتجدد يتبدد.

[1] shorturl.at/xHS67

[2] shorturl.at/bMO36

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *