المعلم … البحث عن مكانة مفقودة!

المعلم ... البحث عن مكانة مفقودة!
         د.عبدالقوي القدسي

كان صديقي معلماً في إحدى مدارس العاصمة اليمنية صنعاء، وكان لا يهتم بمظهره، فقررت أن أسدي إليه نُصحًا وأن ألفت نظره إلى أهمية استبدال ثيابه الرثة بثياب أجمل؛ فالمظهر اللائق له أهميته في جذب احترام التلاميذ من جهة، وقيادة التلاميذ للاهتمام بمظهرهم من جهة أخرى. ما أزال أتذكر تنهيدته وتأوُّهاته! لقد احمرت عيناه فجأة واغرورقتا بالدمع.. لا تكاد صورته الحزينة تفارق مخيلتي، لقد سبقت عبراتُه كلماته الحارة.. يقول: من أين لي يا صديقي أن أحصل على مبلغ مالي لشراء ملابس جديدة، وعندي التزامات عديدة تجاه أسرتي وأهلي .. إنني أعاني الغُربة في بلدي، أعيش في صنعاء وأهلي في الريف، والسفر إليهم يُعدُّ مشروعاً مكلفاً .. ما الذي أقوله يا صديقي وقد نكأت جرحاً غائراً.. إنني أحب أن يكون مظهري جميلاً، ولكن، ما العمل في ظل راتب لا يفي بأبسط متطلبات الحياة الكريمة وو..!! لقد شعرت بالحرج، إنني أقف واعظاً لمعلم أفقدته قسوةُ الحياة حتى مجرد التفكير في نفسه والاهتمام بمظهره ؟ لقد كان هذا الحديث أيام زمان، أيام انتظام الراتب الذي كنا نسميه “ضمان اجتماعي” فكيف بحال المعلم اليوم الذي فقَدَ مجرد الحلم بعودة راتب”الضمان الاجتماعي” ذاك ؟!!

 

لن أضرب أمثلة لأُدلل على اهتمام الدول بالمعلم، ووضعه في المكانة التي تليق به، فلَطَالما سارَع البعض إلى القول: وهل تقارن وضعنا بوضع تلك البلدان الراقية أو الثريَّة ؟! ولكنني هنا سأبحث عن أدنى درجات المكانة في سُلم التقدير الاجتماعي للمعلم. ومن الأهمية أن أشير هنا إلى جملة من القضايا التي تضع المعلم في المكانة التي يستحقها، ومن ذلك :

 

أولاً: انتقاء المعلمين من بين أكثر خريجي الثانوية نبوغاً، واصطفاء أكثرهم ذكاءً، ولن يكون ذلك إلا إذا أعادت الدولة النظر في شروط القبول في اختيار التخصص الجامعي، وفي شروط شغل وظيفة (معلم)، وأما أن تصبح كليات التربية ومؤسسات إعداد المعلمين هي كليات من لا كلية له، فلن ينتج عن ذلك إلا ضعفاً، ووهناً في المخرجات، ومن ثم تقليلاً من شأن المعلم الضعيف في نظر المجتمع.

ثانياً: الراتب المجزي، لن يتسابق الطلاب النوابغ على مقاعد كليات التربية ما لم يشعروا بأن راتب المعلم مجزياً مقارنة بغيره، ومكانة المعلم مرموقة بالنظر إلى مكانة الموظفين الآخرين.

ثالثاً: رُتبة المعلم في المدرسة، يجب أن تكون رتبة المعلم في المدرسة هي الأعلى بين كل الوظائف المدرسية الأخرى، ويجب تبعاً لذلك أن يكون راتبه هو الأعلى، وأن تكون بقية الوظائف الإدارية هي وظائف مساندة لعمل المعلم، وأشبه بمهام فنية تحت توجيه المعلم، وهنا يجب من وجهة نظري أن لا يُعفى أحد من الإداريين في المدرسة من التدريس، فلا بد أن يكون لمدير المدرسة ووكلائه حصصاً ضمن الجدول المدرسي حتى يظلوا مرتبطين بالعملية التعليمية وبالتخصصات العلمية، ويشعروا بالدور الكبير والبعبئ الذي يقوم به المعلم.

رابعاً: التأهيل المستمر للمعلم. شخصياً ، لا أذكر أنني تلقيت تدريباً واحداً خلال ستة عشر عاماً قضيتها معلماً في أكبر مدارس العاصمة، وأمثالي الكثير. المعلم الذي لا يُحَدّث معلوماته، ولا يُطوّر مهاراته، ولا تهتم المؤسسة بتأهيله وتدريبه، فإنه يتقادم ويتجاوزه الزمن، ناهيك ونحن نعيش تقنية وتكنولوجية وتطوراً في كل شؤون الحياة.

 

في اليمن، عندما تم إقرار ميزات معينة للمعلمين ضمن ما يُعرف بقانون المعلم والمهن التعليمية، بدأ العديد من الإداريين ووكلاء المدارس يسعون لإدراج أسمائهم ضمن  قوائم المعلمين؛ لينالوا ميزات إضافية وفقاً للقانون، وبطبيعة الحال، فقد اختلط الحابل بالنابل – كما يقال – وتلاشت تدريجياً تلك الميزات.

 

مما زاد الطين بلة، فتح باب إنشاء المدارس الأهلية على مصراعيه، فأصبح التعليم محلاً للاستثمار مما حدا ببعض رجال الأعمال إلى المسابقة في تأسيس مدارس، ولم يقف الحد عند مجرد التأسيس ، بل تعداه إلى التحكم في العملية التعليمية برمتها، فأصبح يُنظر إلى الطالب كزبون وإلى المعلم كعامل، وتم استيعاب معلمين من خريجي المرحلة الثانوية أو من تخصصات غير تربوية؛ لأن هؤلاء يتقاضون رواتب أقل !! وأصبح يُنظر إلى المدرسة كمخزن للبضاعة، والاهتمام مُنصبٌّ على مقدار الربح أو الخسارة في نهاية السنة الدراسية أو المالية.. وفي المدرسة الأهلية لا محل – إلا ما رحم الله – للمؤهلات التربوية، ولعل مدير المدرسة ومساعديه وطاقم الإدارة من المعاونين لا يمتُّون إلى التعليم بصلة، ويتقاضون أضعاف ما يتقاضاه المعلم المؤهل. مع أن الطبيعي أن يكون جميع طاقم المدرسة من التربويين المؤهلين.

 

المعلم هو العمود الفقري للمدرسة؛ ولذا فيجب أن يكون راتبه هو الأعلى، مثله مثل كبار المسشارين أو المهندسين في الشركات التجارية التي تفوق رواتبهم رواتب المدراء وسائر العاملين، وهذا هو الطبيعي في عالم العدل والقيم، ولقد نشرت مقالاً في العاشر من يناير 2019تحت عنوان : ” الاستهانة بالمعلم، استهانة بمستقبل وطن” وما أزال مؤمناً بعنوان المقال، وسأظل.

 

رسالة أخيرة أوجهها إلى المعلم أقول فيها :يكفيك فخراً، أيها المعلم، أنك مَشعلُ نور وهداية، وأنك تمارس وظيفة الأنبياء والمرسلين والعلماء والمصلحين، ويكفيك شرفاً أن جبهتك هي جبهة البناء والعلم، وسلاحك الكتاب والطبشور، وغايتك بناء الإنسان والحضارة، في مقابل جبهات القتل والدمار والباروت. لك كل تحية وتقدير في زمن أصبحت التحية والتقدير تُبذل لأصحاب الفخامة والفخار، والسياسة ورجال الأعمال..لعمري إنك أيها المعلم/أيتها المعلمة النور الذي يبدد ظلمات الجهل، والأمل الذي يمزق جدران الإحباط واليأس، فسر على طريق الأنبياء فأنت صاحب رسالة سامية، وتلك هي المكانة ، وأنعم بها مكانة ومنزلة!!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *