ضرورة التأهيل التربوي للأستاذ الجامعي

ضرورة التأهيل التربوي للأستاذ الجامعي
             د.عبدالقوي القدسي

الحصول على شهادة الماجستير والدكتوراه تؤهل صاحب المؤهل لأن يكون ضمن هيئة التدريس في تخصصه، وأياً كان التخصص فإن صاحبه سيمارس بعد انضمامه إلى هيئة التدريس عملية تعليمية، ويتعامل مع طلاب وطالبات، وهؤلاء يتوقعون من أستاذهم أن يكون على قدر عال من التأهيل في تخصصه العلمي، كما أنهم يفترضون بأن الأستاذ – حتماً – لديه مهارات عالية في طرق التدريس وكل ما يتعلق بالعملية التعليمية ابتداءً بالتخطيط وانتهاء بالتقويم والتغذية الراجعة. فهل بالفعل يمتلك أساتذة الجامعة الحد الأدنى من التأهيل التربوي ؟!

بعض أساتذة الجامعة لا يفقه شيئاً عن استراتيجيات التعليم، وليس لديه أي معرفة بآليات التقييم والتقويم، ناهيك عن امتلاكه مهارات صياغة الأهداف وتنظيم المحتوى. هذا الكلام ليس تجنياً أو انتقاصاً من شأن الكثير من الزملاء أساتذة الجامعات في التخصصات المختلفة الإنسانية والعلمية، ولكنه توصيف لواقع مؤلم نسعى جميعاً إلى تغييره، والعمل على تجاوز كل سلبياته.
أعرف أستاذاً جامعياً، ومثله كثير، يضع ثلاثة أسئلة في الاختبار النهائي للمادة المقررة التي تزيد عدد صفحاتها عن خمسمائة صفحة، ويطلب من الطالب أن يجيب عن سؤالين على أن يكون أحد الأسئلة الثلاثة إجبارياً، وهذا يعني بأن احتمالية رسوب الطالب أكثر بكثير من احتمالية نجاحه، هل هذا الأستاذ يراعي الشروط العلمية لصياغة الأسئلة المتمثلة بالموضوعية والشمولية والصدق ؟ بل هل لديه معرفة بهذه المصطلحات ابتداءً؟
يترك بعض الطلاب مقاعد الدراسة في بعض الكليات الحكومية بسبب عجزهم عن اجتياز مادة معينة، لماذا؟ لأن أستاذ المادة لا يقبل من التلاميذ سوى إجابات محددة وبصيغة معينة، ويعمد إلى إلزام التلاميذ بشراء كتابه بنسخته المُحَدثة، ويتفحص إجابات الطالب ليتأكد بأن إجاباته كانت من النسخة الجديدة لكتابه المقرر عليهم وليست من النسخة القديمة، وعلى إثْر ذلك يقرر نجاح الطالب أو فشله!!
نلتقي ببعض أعضاء هيئات التدريس ونناقشهم في استراتيجات التعليم الحديثة والقديمة فلا نجد لديهم خلفية نظرية ناهيك عن ممارسة عملية؛ وهذا يأتي من اعتقاد خاطئ يقوم على أساس أن طرق التدريس ليست إلا لأساتذة كليات التربية ولا علاقة لغيرهم بها..ينسى الكثيرون بأن الأستاذ الجامعي يتعامل مع طلاب يتأثرون بالطريقة الجيدة التي يستخدمها المعلم، ويستوعبون أكثر من الأستاذ الذي يُنوع من أساليبه، ويتعامل مع تلاميذه بشكل تربوي.
تتردد على ألسنة الكثير من الطلاب الجامعيين بأن الدكتور بيده أن يقرر نجاح الطالب أو رسوبه، وهذا يعني بأنه لا توجد معايير موضوعية تضبط سلوك الكثير من الأساتذة، مما يدفع الكثير من المتعلمين إلى التقرب والتملق للأساتذة؛ ليتمكن من النجاح، أكثر من التقرب من المعرفة واكتساب العلم والسعي للتميز!!
يؤسفني أن أقول بأنه ليس لدى الكثير من أساتذة الجامعة أيّ فكرة عن علم النفس التربوي وخصائص المرحلة العمرية التي يتعاملون معها، ولا يمتلك بعض الأساتذة أساسيات في إدارة القاعة الدراسية، كما يفتقر البعض إلى الحد الأدنى من مهارة صياغة الأهداف، سواء الأهداف المتعلقة بالمساق ككل أو بالموضوعات المرتبطة بالمساق، ومراعاة انبثاق تلك الأهداف من فلسفة التعليم في البلد، ولا نستغرب عجز الكثير من أساتذة الجامعة عن التفريق بين الأهداف العامة والخاصة ولا يمتلك مهارات صياغة الأهداف السلوكية أو الإجرائية، ويترتب على ذلك عدم قدرته على اختيار نوع التقويم المناسب للأهداف، كما أن ذلك يؤدي إلى الإخفاق في وضع الأسئلة التي تقيس تحقق الأهداف .
الكثير من أساتذة الجامعة يتعاملون مع الطالب كمتلقي سلبي؛ ولذا فإننا نراهم يسارعون إلى حشو المقرر الدراسي بمعلومات معرفية كثيفة، ويركزون على أدنى مستويات المعرفة، والتي تقف عند مستوى (التذكر) وفي حالات معينة ينتقلون إلى مستوى (الفهم) وفي حالات نادرة يتم الانتقال إلى مستوى (التطبيق) بطريقة غير منهجية وغير مخططة، ويغفل هؤلاء الأساتذة المستويات المعرفية العليا،كالتحليل والتركيب والتقويم والابتكار . وهذا يعني بأن المرحلة الجامعية تصبح امتداداً للمرحلة الدراسية السابقة في التعليم العام، والتي تسهم في تخريج متعلمين عاجزين عن الإبداع والتفكير والابتكار.
الحديث عن هذا الموضوع يطول، والسؤال : ما الحل المقترح لتجاوز هذه المشكلات؟ والإجابة عن هذا السؤال – من وجهة نظري – ليست صعبة.. نقترح أن يخضع الأستاذ الجامعي في أي تخصص كان ، في الطب، الهندسة، التجارة، الشريعية وو .. إلى برنامج تأهيلي تربوي لا يقل عن فصل دراسي يخضع خلاله الأستاذ لتدريب مُكثّف وعملي على : مهارات التدريس والتخطيط والتقويم، الأساليب الحديثة في تنفيذ العملية التعليمية، أساسيات علم النفس التربوي، أساسيات الإدارة التربوية وغيرها من الكفايات اللازمة لممارسة مهنة التدريس، وقيمة التدريب يمكن أن تُخصم من راتب الأستاذ، أو يتم تغطية التكلفة من الجامعة أو الكلية كجزء من مخصص التدريب والتأهيل المستحقة لأعضاء هيئة التدريس.
يجب أن يصل الأستاذ الجامعي إلى قناعة كاملة بأهمية حصوله على تدريب في كل عناصر العملية التعليمية والتربوية؛ ليتمكن من أداء وظيفته باحترافية عالية، وإذا لم يجد الأستاذ الجامعي اهتماماً من جامعته أو كليته في التدريب، فعليه أن يخصص جزءاً من دخله مقابل التأهيل والتدريب ذاتياً.ما يخصصه الأستاذ في تأهيل نفسه سيعود عليه أضعافاً مضاعفة في المستقبل، ولنا أن نشير هنا إلى أن الناجحين والمميزين نسبتهم قليلة مقابل الكَمّ الهائل من الأساتذة العاديين، والتأهيل والتدريب هو الطريق إلى التميز والإبداع، ومع الانفتاح العالمي للتعليم عن بُعد، فقد أصبحنا قادرين على الحصول على تدريب جيد، وبأقل التكاليف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *