الحيل الهروبية والاستبدالية

الحيل الهروبية والاستبدالية

الحيل الهروبية والاستبدالية
              د.عبدالقوي القدسي

تحدثنا في مقال سابق عن الحيل الخداعية في إطار الحديث عن ميكانيزمات أو أساليب وطرق الدفاع النفسي التي يقوم بها الشخص في المواقف المختلفة، وتناولنا حينها ثلاثة أنواع من الحيل ، وهي : (الكبْت، التبرير، والإسقاط) ، وفي مقالنا هذا يسنسلط الضوء – بإذن الله – على الحيل الهروبية والاستبدالية.

أولاً : الحيل الهروبية، لا يستطيع الشخص مواجهة مشكلة ما أو حالة الصراع النفسي التي قد يمر بها؛ ولذا فإنه يحاول الهروب من المشكلة أو حالة الصراع تلك، وأولى الحيل الهروبية هي الخيال. كثيراً ما يصادفنا أشخاص يطلقون لخيالهم العنان، ويعيشون حالة من أحلام اليقظة الوردية، وعندما نقترب منهم فإننا نكتشف بأنهم قد عجزوا عن تحقيق طموحاتهم على أرض الواقع فلجؤوا إلى واقع افتراضي خيالي ليس له وجود حقيقي، وأنا هنا لا أتحدث عن الخيال الإيجابي المرتبط بأهداف مرسومة وسعي حثيث لتحقيق تلك الأهداف، وإنما أتحدث عن حالة مرضية – إن صح لنا التعبير- تجعل صاحبها يعيش حالة من عدم التوازن التي قد تصل به أحياناً إلى الهستيريا أو غيرها من حالات الاضطراب النفسي.

الفقير يتخيّل نفسه في قصر مُنيف، والعزب يتخيل نفسه مقترناً بأجمل النساء. أحياناً يحاول الإنسان تقييد الخوف أو العجز بالهروب إلى الخيال. إننا نصادف في حياتنا الكثير من الناس الذي يحاول الهروب من واقعه الطبيعي إلى واقع آخر يرسمه في خياله، قد يكون هذا الواقع المرسوم إيجابياً وقد يكون سلبياً .. ولربما يمكن الربط بين هذا وبين الحقيقة التي يرسمها القرآن للناس بتأكيد الحياة الأخرى، وبأن تحقيق كل الطموح لا يكون إلا بدخول الجنة، ولكن دخول الجنة مرتبط بالعمل الصالح الجاد، وهذا وحده كافياً في علاج الكثير من مشكلات الإنسان المرتبطة بالأطماع الواسعة وتوجيه قدرات الإنسان نحو البناء والإعمار والتعاون والتراحم لا إلى العراك والصراع . ولذا فإن منهجية القرآن تدعو الإنسان إلى التوازن، فالفقر ليس قدراً مقدوراً، ويمكن بذل الأسباب لتجاوزه بغير سخط أو تذمر تؤثر على حياته وأسلوب معيشته، فالإنسان مطلوب منه أن يبذل الأسباب لا أن يستغرق في الخيال، وفي الوقت ذاته،وأثناء السير نحو تجاوز حالة الفقر يجب أن يتحلى بالرضا ، وأن ينظر إلى من هو أدنى منه في الدنيا، وليس إلى من هو أعلى منه.

النكوص وهي حيلة هروبية أخرى، وتعني الرجوع، كأن يحاول الشخص استجلاب عطف الآخرين فيعود إلى الطفولة ويبكي، إننا نلاحظ البعض عند التوتر وفرط القلق يقوم بوضع القلم في فمه، ويقوم بقضمه، وهذا السلوك يشبه وضع الطفل إصبعه في فمه. النكوص يعبر عن حالة نفسية طفولية، وصاحبها بحاجة إلى الأخذ بيده، وتعزيز ثقته بنفسه. هل بُكاء من يفشل في إحدى مهمات الحياة يؤدي إلى تغيير النتيجة ؟! إن الإقدام والعزيمة هو الحل، لا النكوص والإحجام.. يجب علينا أن ندرس أسباب الفشل أو الإخفاق، لا أن نعود إلى التبرير أو النكوص، ولو كان البكاء حلاً لمشكلات الحياة لكان الأمر هيّنًا!!

ثالثاً : الحيل الاستبدالية، وفيها يستبدل الشخص المشكلة أو الصراع أو التوتر الداخلي بشيء آخر، وأول حيلة هي التعويض، والتعويض يكون عند الشعور بالنقص، ويمكن أن يظهر التعويض على شكل سلبي أو إيجابي.يحاول الضعيف أن يضرب من هو أضعف منه ليُثبت للآخرين قدراته وقوته، ويدافع عن عجزه عن مقاومة الأقوى منه، أو قد يحاول اللجوء إلى نسبه أو ماله أو انتمائه ليعوض عن نقصه وضعف مؤهلاته لنيل منزلة معينة أو الوصول إلى مكانة محترمة. لا يحتاج صاحب المؤهلات أن يستدعي نسبه عند المنافسة على وظيفة، ولا يحتاج الذكي أن يستدعي سيرة أحد أجداده أو سلامته ليقنع الناس بذكائه.. الذي يشعر بالنقص هو الذي يسعى لتعويض ذلك النقص بطريقته.

قد يكون التعويض إيجابياً حيث يقوم الشخص بتقديم أعمال مُلفتة للنظر لتجعل الآخرين يحترمونه، فالأنثى التي لا يعترف المجتمع بقدرتها، تبذل جهوداً كبيرة في التعليم – مثلاً – لتتفوق على شقيقها الذكر، وتثبت للمجتمع قدرتها على المنافسة ، وأبناء الفقراء يبذلون جهوداً مضاعفة للمنافسة وتعويض فقرهم بتفوقهم، وهكذا.

ثاني حيلة من الحيل الاستبدالية هي التحويل ، وتكون عندما يتعرض الشخص إلى ضغوط، فإنه يقوم بتحويلها إلى من هو أضعف منه، وافتعال بعض المشاكل ، فعلى سبيل المثال : يواجه الرجل ضغط عمل، وتوتر ، فيعود إلى البيت ويقوم بتحويل الضغط لزوجته ويبحث عن سبب تافه ويسترجع بعض الخلافات القديمة ليفجر الموقف ويفرغ غضبه في زوجته. أو كالمعلم الذي واجَهَ مشكلة مع الإدارة، فإنه يعود إلى طلابه ويُفرغ غضبه فيهم. في الحيلة الاستبدالية يتم البحث عن طرف أضعف ليستبدل الضغط الذي وقع فيه بإيقاعه على غيره.

التسامي، وهي أفضل الحيل وتدل على الصحة النفسية العالية، وهي إعادة توجيه المشاكل والسلوكيات المكبوتة إلى فعل مقبول اجتماعياً، وطاقة إبداعية، فالشعور بالتوتر نتيجة السّمنة يحولها الشخص إلى طاقة إيجابية بالتحول إلى الرسم أو لعب الرياضة وهكذا. وبالتسامي لا يكون الإنسان بحاجة إلى التبرير بقدر حاجته إلى الاعتراف، ولا يحتاج إلى العيش في خيال، بل يدفع صاحبه إلى بذل الجهد للنجاح، وهكذا.

إن معرفة الحيل الخداعية التي قد يقع فيها التلاميذ أو الناس عموماً من الرجال والنساء والكبار والصغار كفيل بالتعامل الإيجابي ومعالجة المشكلات بشكل منهجي، والعمل على دراسة أسباب المشكلات والرجوع إلى التاريخ لتفسير بعض السلوكيات، في حين يخفق البعض إلى التعامل مع المشكلات بسبب عدم معرفته بأصل المشكلة .

https://www.ofuq.net/27122020