نظرية الحاجات الإنسانية لماسلو

نظرية الحاجات الإنسانية لماسلو 

نظرية الحاجات الإنسانية لماسلو
       د.عبدالقوي القدسي

“إذا لم يكن هناك خبز للفقراء، دعهم يأكلون كعكاً” فضلتُ البدء بالمقولة المنسوبة لملكة فرنسا ماري أنطوانيت (1755 – 1793) ؛ لمناسبتها مع نظرية ماسلو التي نحن بصدد الحديث عنها.. الفقير الذي خرج بحثاً عن خبز يسدُّ رمقه، أنَّى له أن يأكل الكعك أيتها الملكة ؟!!

 

نظرية الحاجات الإنسانية لعالِم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (1908-1970)  تشير إلى أنّ هناك حاجات أساسية يسعى الإنسان لإشباعها، وبأن تلك الحاجات ليست على درجة واحدة، كما إن عجز الإنسان عن إشباع تلك الحاجات يتسبَّب في كثير من حالات الإحباط والتوتر والآلام النفسية. سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على النظرية التي ما يزال الكثير من علماء النفس والتربية يستندون إليها في تفسيراتهم لسلوكيات المرضى أو المتعلمين، وحتى أرباب الأعمال ومسؤولي التسويق لا يستغنون عنها في تحديد الفئة المستهدفة، وتحديد الطريقة المُثلى للوصول إلى زبائنهم وتلبية احتياجاتهم.

 

وضع ماسلو هرماً مكوناً من خمس حاجات أساسية للإنسان، وهي : الحاجات الفسيولوجية، الحاجة إلى الأمن ، الحاجة الاجتماعية، الحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى تحقيق الذات، واعتبر ماسلو بأن قاعدة الهرم هي الحاجات الفسيولوجية والتي تتمثل بحاجة الإنسان إلى الطعام والشراب والجنس والهواء، وغيرها من الحاجات المعروفة في الثقافة الإسلامية بالضرورية، والتي لا قوام لحياة الإنسان بدونها، كما اعتبر ماسلو بأن الحاجة إلى تحقيق الذات تقع في أعلى الهرم، والتي تتمثل بتحقيق المكانة الاجتماعية المرغوب الوصول إليها أو المنصب الرفيع وتحقيق الذات يجلب الرضا والإحساس بالقوة والثقة وتحقيق أعلى درجات الطموح.أضاف ماسلو لاحقاً مستويين آخرين ليصبح العدد 7 مستويات، وهما : الحاجة إلى المعرفة، كالرغبة في الاستكشاف والتعلم، والحاجة إلى الجمال والفن كالاستمتاع بالإبداع والفن وجمال الطبيعة .

 

نظرية الحاجات الإنسانية لماسلو  بعد تأمين الحاجات الفسيولوجية الأساسية للإنسان، فإنه ينتقل إلى لتفكير الجاد بتلبية حاجته إلى الأمن، والتي تشمل : السلامة الجسدية من أي عنف، الأمان في الوظيفة، الأمن النفسي والمعنوي، الأمن الصحي، أمن الممتلكات الشخصيّة، وغيرها من جوانب الأمن ،  وحالة الانتقال هذه طبيعية – من وجهة نظري- فالإنسان الذي استطاع تأمين متطلبات البقاء فإنه يسعى لتأمين نفسه وحياته، بينما غيره ممن لم يتمكنوا من امتلاك أساسيات الحياة، فإن همَّهم الأول يكون هو الكفاح من أجل البقاء!! الذي لا يمتلك قيمة الخبز لا يمكن له أن يفكر في شراء الكيك، ناهيك عن أن يفكر في بناء منزل أو في دفع تكاليف التأمين الصحي .

 

إذا استطاع الإنسان تأمين الحاجات الفسيولجية وشعر بالأمن على حياته، فإنه يتوجَّه نحو إشباع الحاجات الاجتماعية والمتمثلة في : العلاقات العاطفية  والحب، وتكوين الأسرة، وتوسيع دائرة الأصدقاء، والرغبة في الانتماء إلى التشكيلات السياسية والاجتماعية، والفرق الرياضيّة، والمنظمات المهنيّة. وأما الحاجة إلى التقدير فلا تأتي – بحسب ماسلو – دون تحقيق الحاجات الفسيولجية وحاجات الأمن، والحاجات الاجتماعية، وتقدير الذات يعني: تقدير الأصدقاء والآخرين لما يقوم به الإنسان من جهود، وكذا قيام الإنسان بأعمال جليلة بناء على شعوره بتقدير ذاته.

 

يرى ماسلو بأن الإنسان لا يفكر في تحقيق حاجة إلَّا بعد تحقيقه الحاجة الأساسية التي تسبقها، فعلى سبيل المثال إذا كان هناك شخص يتضوَّرُ جوعًا فمن الصعب، بل من المستحيل أن يفكر في  تحقيق الذات. وفي غياب هذه العناصر جميعاً يصبح الفرد عرضة للاكتئاب، والقلق، والعزلة الاجتماعيّة. وهنا يبرز سؤال هام، وهو : ما أسباب عدم شعور البعض بالسعادة عندما يتوافر لديه كل شيء؟! يجيب ماسلو على ذلك: بأن الشخص قد يكون لبَّى احتياجاته الأساسية، والضرورية للحياة، ولكنه لم يتمكن من تلبية احتياجاته الأعلى.

 

على الرغم من أهمية النظرية في تقديم تفسير للكثير من تصرفات الإنسان وحالات القلق والتوتر التي يمر بها العديد من الناس، لكنها – بطبيعة الحال – لم تستطع الإجابة عن العديد من التساؤلات، فما حجم الإشباع في كل مستوى ؟! وهل يجب الانتقال المتدرج من مستوى إلى آخر ؟ قد نتفق مع النظرية في أن الإنسان يُرتب أولوياته ، فهو لن يفكر في المنزلة الرفيعة قبل تفكيره بسد جوعته، ولكن هذا لا يعني عدم قدرة البعض في تحقيق إبداع ينقله بشكل مباشر من حالة الفقر إلى تحقيق المستويات العليا وتحقيق الذات، أو بمعنى آخر تحقيق شيئين أو أكثر في نفس الوقت.وهناك من النماذج ما يشهد بذلك.

 

لماذا يكثر الانتحار في بيئات الأثرياء؟ لماذا تكثر حالة الاضطرابات الأسرية عند بعض الفنانين والفنانات رغم تحقيقهم كل مستويات هرم ماسلو؟!! لماذا تحدث النزاعات والسرقات والاغتصابات، وحالات الإدمان على المخدرات وغيرها من الموبقات لدى بعض المجتمعات التي حققت مستويات عالية من الرفاهية والتأمين على الحياة والصحة والسيارة… ؟!

 

لقد أغفل ماسلو حاجة الإنسان إلى الدين .وغفل أيضاً بأن هناك جملة أسئلة ليس لها إجابة إلا من خلال الدين، ومنها : من أين جئت؟ لماذا جئت؟ إلى أين المصير؟ وسيظل الإنسان في حالة صراع دائم لإشباع رغباته، مالم يرتبط بالدين الذي يوجه سلوكه نحو الآخرة . بالديين وحده يدرك الإنسان بأن الإشباع التام لا يكون إلا في جنة عرضها السموات والأرض “لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ” (ق:35) فلا ينبغي أن يركض في الدنيا ركض الوحوش في البريَّة.

 

التأمين الصحي لا يجلب الصحة النفسية، ولكن الصحة النفسية تتحقق بالدين، والأمن على النفس لا يعني الاطمئنان النفسي، فالاطمئنان النفسي يتحقق بذكر الله” أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” (ق:28)، وامتلاك الأرض كلها لا تُشبع أطماع الإنسان الواسعة، ولكن بالدين يحدث للإنسان التوازن، ويرضى بما قسم الله له. إن القانون يحاول أن يضبط العلاقة بين الناس والحيلولة دون الطغيان، لكن مواد القانون تعالج الظاهر ولا تتغلغل إلى الأعماق، وإذا ضعفت سلطة القانون فإن الإنسان يتحول إلى وحش كاسر.

 

لا تكتمل الصورة – من وجهة نظري – إلا باستعراض جميع الحاجات الإنسانية، المادية والروحية، وبالسعي إلى تحقيقها تتحقق الحياة الكريمة للإنسان، والسعادة لا تكون في متناول الأغنياء دون الفقراء، ولا في متناول الحكام دون المحكومين، ولا يحققها الذكور دون الإناث، أو الشباب دون الشيوخ .