استراتيجية حل المشكلات

استراتيجية حل المشكلات

استراتيجية حل المشكلات
                    د.عبدالقوي القدسي

المتعلم هو محور العملية التعليمية في النظرة الحديثة (Student-Centered Learning) ، ومن هذا المنطلق فإن استراتيجيات التدريس يجب أن تُترجم هذه النظرة، فإذا قررت مؤسَّسة تعليميةٌ ما التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم الحديث، فإنه يلزمها أن تُعيد تصميم نظامها التعليمي بما يتوافق معه. والمشكلة عامةً معناها “حالة شك وحيرة وتردد تتطلب القيام بعمل بحث، يرمي إلى  حلها“ ويصاغ بتلك الطريقة المقرر الدراسي كله في صورة مشكلات تدرس بخطوات معينة. صاحب هذه الطريقة هو  (جون ديوي) عالم التربية الأمريكي الشهير المتوفى 1952م.[1]  استراتيجية حل المشكلات ( Problem-Solving Strategy) هي إحدى أهم الاستراتيجيات المُصمَّمة في الأنظمة التعليمية الحديثة والمتمركزة حول المتعلم، وهذه الاستراتيجية ليست مخصصة لمادة تعليمية دون أخرى. في ظل التعلم النشط،واستخدام المعلم استراتيجية حل المشكلات، يظل الطالب متحفزاً ونشطاً، والأستاذ الناجح يستطيع أن يثير نشاط المتعلم وفضوله بمهارة واحترافية عالية .

 

يقوم البحث العلمي على استراتيجية حل المشكلات واختبار الفروض، وأهم مرحلة وأدقها هي تحديد مشكلة البحث، فإذا فشل الباحث في تحديد المشكلة، فإنه سيضِلُّ طريقه ويخبط خبْط عشواء؛ وذلك لأن كل خطوات الباحث التالية مرتبطة بتحديد المشكلة، ومن ثم تأتي مرحلة الأسئلة أو اختبار الفروض وغيرها من الخطوات الهادفة إلى حل المشكلة. يمكن استخدام استراتيجية حل المشكلات في إيجاد حلول للقضايا الاجتماعية والإنسانية؛ فمشكلة التلوث أو الفقر أو العزوف عن الزواج أو تعاطي المخدرات أو غيرها من المشكلات هي قضايا حياتية مرتبطة بالإنسان، وهي لا شك محل اهتمام لديه، ولا بد أن يبحث لها عن حلول، فاستمرار المشكلات تُفسد حياة الإنسان. الإحساس بالمشكلة هي أُولى خطوات الحل، فالذي لا يحس بمشكلة التلوث البيئي-مثلاً- وخطورتها على الصحة؛ فإنه لن يبادر إلى حلها، ومُتبلد الإحساس الذي ينظر إلى النار أمام ناظريه تحرق كل شيء،وتقترب نحوه، ولا يحرك ساكناً لإخمادها، فإنه يوشك أن يحترق بلهيبها,

 

 يجمع المتعلم االبيانات، وينظر في المعطيات ويبدأ باختبار البدائل حتى يصل إلى حلٍّ للمشكلة واختيارٍ للبديل الأمثل، ويُمكنه والحال هذه أن يناقش حل المشكلة مع محيطه من زملائه أو أصدقائه، وبهذا يشترك الجميع في البحث الجاد عن المشكلة؛ إذْ لربما كان حل المشكلة مرتبطاً بفكرة غابت عن ذهنه بينما انقدحت تلك الفكرة في ذهن طالبٍ آخر ، فالخطوة الثانية من خطوات الاستراتيجية هي جمع المعلومات أو استيعاب جميع المعطيات المرتبطة بالمشكلة، ومن ثم تأتي الخطوة الثالثة والمتمثلة بكتابة البدائل  المتعددة للحل، والتي ينتج عنها اختيار البديل الأنسب. ولا نكتفي باختيار البديل الأمثل أو الأنسب، فوفقاً لهذه الاستراتيجية، فإنه ينبغي التأكد من جدوى وفاعلية الحل، ومن ثم إمكانية تعميمه..

 

لقد تعرض العالم لوباء “كورونا” وأصيب ملايين البشر بالوباء، ومات بسببه مئات الآلاف، وما تزال فرائص العالم ترتجف من الفيروس.. لقد أحسَّ العالم بالمشكلة: إنه وباء عابر للحدود، يذهبُ بسببه مئات الآلاف من البشر. هل نكتفي بمجرد الإحساس بالمشكلة والانتظار ليمر قطار الموت فينضم اللاحق إلى السابق؟ أم إن البشرية يجب أن تبحث عن الحل؟ بطبيعة الحال، فالحل لا بد وأن يُبنى على بيانات ومعطيات كافية؛ ليتمَّ تشخيص المشكلة بدقة متناهية، والبحث عن الحل، فهل التعويذات هي الحل المناسب للمشكلة ؟ هل تناوُل بعض الأعشاب هي الحل الذي يقضي على وباء كورونا؟ هل الحَجْر الصِّحي هو الحل الأمثل ؟ وهل تناول المُصاب لعقار معين فيه حلٌ للمشكلة ؟ أم إن تصنيع لقاح وتطعيم الناس به هو الحل للمشكلة ؟!! وصل العالم في نهاية المطاف إلى الخيار الأخير، والمتمثل بابتكار لقاح .. ولكن، ما الذي يجعلنا نعتقد بأن هذا الخيار هو البديل الأنسب؟ لماذا لا يكون غيره من البدائل السابقة هو الأفضل؟ وهنا يأتي دور اختبار البديل وتجريبه وتلقيح مجموعة من الناس به، ومراقبة نتائجه، وتتبُع الآثار الجانبية له، وبعد أن يتم تقييمه والتأكد من فاعليته، يكون تعميمه .. وهنا تجدر الإشارة إلى إن هذا اللقاح ليس بالضرورة أن يتناسب مع 100% من الناس، وإنما يكفي لاستخدامه وتعميمه اختبار جدارته وفعاليته لدى الغالبية العظمى من الناس.. بمثل استراتيجية حل المشكلات المستخدمة لمواجهة فيروس كورونا، تحل المجتمعات البشرية مشكلاتها الاجتماعية والسياسية وال

استراتيجية حل المشكلات

تعليمية والصحية . وبالعودة إلى كورونا، هل كل المجتمعات توصلت إلى إنتاج اللقاح ؟ الإجابة عن هذا التساؤل تقودك إلى رسم صورة ذهنية تنطبق على تفاصيل المجتمعات الأخرى، وتجيب عن السؤال : لماذا تتقدم مجتمعات وتتخلف أخرى؟!

 

استراتيجية حل المشكلات ليست مجرد وسيلة للوصول إلى المعرفة بطريقة تفاعلية، بل إنها تمضي بالمتعلم خطوة خطوة للوصول في نهاية المطاف إلى تحديد المشكلة، وجمع البيانات حولها، واختبار أكثر من بديل ومن ثم اختيار البديل الأنسب. وهنا يجب الإشارة إلى أن المعلم الذي يحفز المتعلم إلى البحث عن الحلول، والوصول إلى الخيار الأمثل للحل هو المعلم الذي يعرف -تماماً- طبيعة دوره في ضوء استراتيجيات التعلم والتعليم الحديثة، بينما إعطاء المُتعلم المعلومة مباشرة لا يصنع منه إلا متلقياً سلبياً، معتمداً على ما يأتيه من الآخر، لا يثق بنفسه ويخاف من المحاولة، وترتجف فرائصه عند أيِّ خطأ.

 

استراتيجية حل المشكلات هي مهارة حياتية هامة يجب على المربين والمعلمين إكسابها للمتعلمين، وقبل تنفيذها داخل قاعة الدراسة، يجب أن يرشد الأساتذة تلاميذهم إلى خطواتها، والمنهجية العلمية التي يجب اتباعها عند تنفيدها، ليس هذا فحسب، بل يجب أن تتولد القناعة والرَّغبة لدى التلاميذ لممارستها، ولن يكون ذلك إلا إذا أدرك المتعلم أهمية الاستراتيجية وضرورتها في حياته العلمية والاجتماعية على حد سواء.. أحببت أن أؤكد على ذلك؛ لأن البعض من الأساتذة يهيء لتلاميذه ما يشبه بالقوالب أو النماذج الجاهزة التي لا يكون دور المتعلم فيها إلا أن يملأها دون وعي بأهميتها أو تطبيقاتها الحياتية. ينسى الكثير من المعلمين أن التعليم هو في الأصل وظيفة اجتماعية مرتبطة بالحياة وليس معزولاً في تضاعيف الكتب المدرسية فحسب.

 

أشرنا في ثنايا الموضوع إلى أن اختيار استراتيجية حل المشكلات يتوقف على الأهداف السلوكية للدرس أو مخرجات التعلم، و نؤكد، في ختام حديثنا، على أن هذه الاستراتيجية يحتاج إليها معلم المرحلة الأساسية أو الأستاذ الجامعي، ويحتاج إليها أساتذة العلوم الإنسانية والطبيعية على حد سواء، فكلُّ نشاط ذهني يواجه من خلاله المتعلم مشكلة ويسعى إلى تخمين الحلول الممكنة لها أو البحث عن روابط لحلها، فإنه يُعد ضمن استراتيجية حل المشكلات، يستوي في ذلك المتعلم الصغير الذي يُطلب إليه أن يقوم برسم شيءٍ ما، أو الطالب الجامعي الذي يُطْلب إليه تقديم حلولٍ لمشكلة ٍما وفقاً للمنهجية العلمية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المعلم بالنسبة للتلميذ الصغير هو المرجع، وبيده حل المشكلة، بينما الحل الذي يبحث عنه الباحث في المراحل الدراسية العليا غير معروف لأحد، لذا فإن فحص الحلول يصبح أكثر أهمية[2]. وهنا نؤكد على أن المتعلم الذي يمارس هذه المهارات والاستراتيجيات منذ الصغر،لا يواجه صعوبة في المستويات العليا أو في حياته الاجتماعية  عند استخدام تلك الاستراتيجيات، وقد أكَدت ذلك مبادئ النظرية البنائية وغيرها من النظريات التربوية.

 

 

[1] https://bit.ly/3axsBIz

[2] https://nzmaths.co.nz/problem-solving-strategies

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *