أيها التربويون: ماذا نريد؟

أيها التربويون: ماذا نريد؟

أيها التربويون: ماذا نريد؟
       د.عبدالقوي القدسي

طلب مشرفُ المادة من المعلم أن يُعِدَّ أسئلةَ اختبارٍ موضوعيٍّ تتجاوز المائة، يسأل المعلم مُشرف المادة عن السبب، فيردُّ المشرف، لقد لاحظنا بأنَّ التلاميذ يُنهون الاختبار سريعًا، ولذلك، فلا بد أن نُتعبَهم، وبهذه الطريقة سيشعرون بأهمية المادة، ويبذلون مزيداً من الجُهد فيها.. إذاً، الهدف هو : حتى نُتعبَهم! ظننت بادئ الأمر بأن المشرف على مستوى كبير من التأهيل، فهو يريد أن يكون الاختبار شاملاً، ومراعياً للمستويات المعرفية المختلفة، كما أنني ظننت بأنَّ المشرف يدرك بأن كثرة الأسئلة تصُبُّ في مصلحة المتعلم، ولكن على ما يبدو، خاب ظني!

 

في مقال سابق”الاختبارات وسيلة أم غاية؟” تحدثت فيما لا يحتاج إلى إعادةٍ حول الاختبارات وأهمية تصميمها بحسب الهدف المراد تحقيقه، ونحيل القارئ إليه، وفي هذا المقال أوَدُ تسليط الضوء على أهمية وضوح الغاية من أي إجراءات نتخذها أثناء التخطيط أو التنفيذ للعملية التعليمية والتربوية. وحتى تتضح الرؤية، يمكن قبل أي إجراء أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: ماذا نريد؟ والإجابة الدقيقة عن هذا السؤال -من وجهة نظري- كفيلة بضبط البوصلة وتوجيه المسار.

 

سأضع بين أيديكم جملة من الأسئلة، ولكم أن تضيفوا عليها الكثير، فبالتأكيد هناك عشرات الأسئلة التي تبرز عند الحديث عن العملية التعليمية، ومن تلك الأسئلة: لماذا يتم تكثيف المواد الدراسية على التلاميذ؟ وهل الغرض أن نُتعب أبناءنا بحمل الحقائب المكتظة بالكتب؟ لماذا يجب على المتعلم أن يدرس كل المقررات في آن واحد؟ هل المطلوب تحفيظ التلاميذ أم إكسابهم مهارات حياتية؟ لماذا تزداد الفجوة في بلادنا يوماً بعد يوم بين المواد الدراسية واتجاهات التلاميذ نحوها؟ لماذا يتفاعل الكثير مع المنهج الخفي، بينما يبتعدون عن المنهج الرسمي؟

 

تَعْمد الكثير من الجامعات إلى إدراج (التفكير الناقد) ضمن مقرراتها الدراسية، وتتجه وزارات التعليم في الكثير من البلدان إلى اعتبار التفكير الناقد مادة دراسية، ويجب على التلاميذ دراستها، والسؤال: لماذا؟ وماذا نريد من هذا المقرر؟ الإجابة ستأتي سريعاً من القائمين على العملية التعليمية: نحن نريد أن نُكْسِب التلاميذ مهارات التفكير الناقد، ولأن العالم اليوم مهتم بالتفكير الناقد، فلا بد أن نهتم نحن أيضاً.. تكاد تكون المبررات مقبولة بدى البعض، والسؤال: هل إكساب مهارات التفكير الناقد بحاجة إلى إلزام التلاميذ بدراسة مادة اسمها: ( التفكير الناقد) وإخضاع المتعلمين للاختبارات، ومنحهم شهادات فوْر نجاحهم في الإجابة عن أسئلة الاختبارات؟!

 

من خلال تجربتي الشخصية في تدريس هذه المادة لبعض طلاب المرحلة الجامعية، كنت أجدُ معاناة شديدة في إقناعهم أن لا يهتموا بالاختبارات أكثر من اهتمامهم باكتساب مهارات التفكير الناقد، وعلى الرغم من ارتياح التلاميذ لما يسمعون، لكنهم يقولون – وعندهم حق-: يا دكتور إن لم نهتم بالاختبارات والتدريب على الإجابة عن نماذج الاختبارات فإننا سنرسب! وبذلك فلن نستطيع الانتقال إلى المستوى الآخر. لقد اهتمت الجهات التعليمية على نجاح التلاميذ في الاختبارات، وليس نحاحهم في اكتساب المهارات. لو أعيد استحضار أهداف التفكير الناقد، على سبيل المثال، وعَمِدت الجامعات والمدارس إلى ابتكار مجموعة من الأنشطة والبرامج العملية، كالمناظرات وتحليل النصوص، وغيرها، لإكساب المتعلمين تلك المهارات، لكَان ذلك أفضل؟ ولو أتيح للتلاميذ ممارسة النقد في إطار بيئتهم التعليمية والحياتية، ألا يكون ذلك أنفع؟

 

ما فائدة أن يُقرر على التلاميذ دراسة كتاب في التجويد؟ وما معنى أن يحصل التلاميذ على درجات امتياز في اختبار التجويد في حين أنهم لا يستطيعون قراءة عدد من الآيات مجوَّدة؟ فالتجويد من علوم الآلة – حسب تصنيف البعض – والغاية هو إتقان قراءة القرآن، فإذا استطاع المتعلم تلاوة القرآن عن طريق المشافهة أو التلقين مثلاً، فعلامَ نطلبُ منه أن يُعدّد أنواع المدود أو أحكام النون الساكنة والتنوين، ولماذا نصدر حُكماً على الطالب بالرسوب إذا أخفق في الإجابة عن أسئلة التجويد مادام وهو يقرأ القرآن بمهارة عالية؟! وهنا يبرز أهمية السؤال: ماذا نريد من تعليم التلميذ علمَ التجويد؟

 

عندما كنت مُعلماً في مدرسة دولية باليمن، حدثت قصة طريفة، وأثارت تساؤلات عديدة لدَيّ، وأُحبُّ أن أشارككم هذه القصة. في الصف الثالث الثانوي سجَّلت طالبة أمريكية الجنسية من أصول يمنية في المدرسة، وكان الهدف من التحاقها بالمدرسة -حسب ما أخبرتني هي حينها- هو أن تتعلم القرآن الكريم والتربية الإسلامية واللغة العربية تحديداً. كنت حينها أُفرد اهتماماً خاصاً بالطالبة؛ لأنها جاءت لهدفٍ نبيل، وأرسلها أهلها لتتعلم بعيداً عنهم، فهم في أمريكا وهي عند بعض أهلها في اليمن. إلى هنا، وكل شيء على ما يرام، ولكن للقصة بقيَّة.. أتمَّت التلميذة الشهر الأول، وخاضت الاختبارات الشهرية، ولكن النتيجة كانت صادمة! لقد رسبت الطالبة في المواد العلمية، ليس هذا فحسب، لقد رسبت -أيضاً- في اللغة الإنجليزية التي هي لغتها الأصلية! طلبتُ من الطالبة أن تبرر لي، وتحديداً – نتيجة اللغة الإنجليزية – فقالت: إن الاختبار ركّز على القواعد والكتابة الأكاديمية بينما في مدارس أمريكا، لا يكون لذلك أهمية كبيرة، بطبيعة الحال، فقد قرَّرت الطالبة العودة إلى أمريكا، بعد أن وصلت إلى قناعة كاملة بأنها لم تحقق الهدف من تكبدها مشقة السفر والاغتراب.. ولو سألنا أهل التربية: ماذا تريدون من مقرر اللغة الإنجليزية، لقالوا: نريد أن يتحدث التلاميذ اللغة الإنجليزية في نهاية المرحلة الثانوية بشكل صحيح؟ والسؤال الثاني: هل تحقق ذلك ؟ وإذا لم يتحقق الهدف – وهو الواقع – فالسؤال: لماذا لم يتحقق؟

 

الذي لا يستطيع الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟ فإن مصيره هو الفشل الذريع؛ لأنه ببساطة سيقوم بممارسة خاطئة، وستتحول لديه الوسائل إلى غايات، ولن تتحقق الغايات أو الأهداف المرسومة. قد تبذل الجهات التعليمية جهوداً مُضنية في مرحلة التنفيذ، لكنها ليست مجدية، بل قد ينتج عنها نتائج سلبية، فزيادة الضغط على التلاميذ من خلال القواعد التعليمية الصارمة والاختبارات الكثيرة، والمناهج المكثفة يُولِد عندهم ردات فعل سلبية، وتذمُّر مستمر. إن حشو عقول التلاميذ بكمية هائلة من المعلومات ليس دليلاً على جودة التعليم، والاختبارات الكثيرة، والتشديد في إجراءتها ومراقبة التلاميذ عند تنفيذها لا يُعد مؤشراً على نجاح العملية التعليمية، ولكي ننجح، فالمطلوب أولاً أن نجيب بدقة متناهية عن السؤال: ماذا نريد؟