أنظمتنا التعليمية التقليدية هي المشكلة

أنظمتنا التعليمية التقليدية هي المشكلة

أنظمتنا التعليمية التقليدية هي المشكلة
                 د.عبدالقوي القدسي

تجاذبنا الحديث مع نخبة من التربويين وقادة المدارس في بلادنا الحبيبة- اليمن – حول التعليم وإشكالية وصعوبات بل والعوائق التي تعترض طريق التعليم وتجويد المخرجات التعليمية.. يطرح أحدهم سؤالاً: يتجه الكثير من طلابنا في نهاية العام الدراسي وبعد أداء اختباراتهم إلى تحطيم ما استطاعت أيديهم الوصول إليه، وتمزيق الكتب الدراسية، ورمي كل ما يتعلق ببقايا دفاترهم أو حتى قصاصات الغش التي استعانوا بها.. يتساءل صديقنا والحسرة تعتصر قلبه بحثاً عن تفسير لهذا السلوك. يبادر تربوي آخر مهتم فيقول: يا دكتور نحن مدرسة أهلية ومهتمة ونعمل على التطوير والتحسين ومؤشرات التحصيل العلمي عندنا تشير إلى مستويات متقدمة للطلاب، ولكن ! يقولها متألما ً: تلك المستويات التي تظهر في التقارير الورقية وعلى شاشات قياس التحصيل ليست حقيقية.. لو اقتربت من الطلاب وحاولت أن تتأكد من المستوى ومدى مطابقته لنتائج التحليل لوجدت فجوة كبيرة بينهما، فالطالب يظهر على حقيقته عند أول اختبار عملي لقدراته ومهاراته الحقيقية. .أين المشكلة؟

الإحساس بالمشكلة يُعدُّ أول خطوة في طريق الحل، ربما سيكون من الأفضل إجراء بحوث علمية تصف الواقع كما هو وتضع يدها على حقيقة المشكلة ومن ثم تقترح الحلول وآليات المعالجة، ولكن وقبل إجراء تلك الخطوة دعونا نحن أيضاً نتحدث من واقع خبرتنا التربوية بوضع نقاط أساسية ربما يستفيد منها الباحثون وتختصر عليهم الكثير من الجهود، وكما يقول إخواننا المصريون : هات من الآخر، فإننا سنأتي من الآخر.

إنني أتهم النظام التعليمي القائم ومؤمن بأنه هو أساس المأزق التعليمي في بلداننا العربية وبلدنا الحبيب – اليمن السعيد – على وجه الخصوص، ومن حقكم أن تسألوا: كيف ذلك؟
النظام القليدي الحالي يركز على التلقين، والتحفيظ، ومن ثمَّ فإنه يصمم المحتوى، واستراتيجيات التدريس ونظام التقويم بناء على ذلك. قد يقول قائل: عندما نطلع على وثائق صادرة من مؤسسات التعليم في بلادنا فإننا نلمس إشارات واهتمام بإكساب التلاميذ المهارات الحياتية المختلفة … أقول : هذا صحيح، والسؤال: هل فعلاً اكتسب أبناؤنا تلك المهارات المنصوص عليها؟ إذا كانت الإجابة بـ لا، فدعونا إذاً نبحث عن الأسباب.
عوداً على ذي بدء .. لماذا يمزق أبناؤنا الكتب؟ ولماذا يحاولون تحطيم كل ما امتدت إليه أيديهم من آثاث للمدرسة وتجهيزات؟ لا شك بأن ذلك الفعل العدواني تجاه مبانٍ تعليمية تُنبئ عن حالة تذمر غير عادية ، وهذا التذمر والاستياء يضعنا أمام مسؤولية وطنية.

إحدى المدارس في يمننا الحبيب – أيام دراستنا – قامت برفع السور المدرسي متراً إضافياً للحيلولة دون هروب الطلاب وتسلقهم للسور المرتفع، لكن الطلاب نحجوا في نهاية المطاف وغامروا وخاضوا التحدي ونجحوا في الهروب من السور المرتفع. لجأت إدارة المدرسة لوضع قطع من الزجاج على حافة السور ، وأضافات قطعاً من الحديد المنتهي برؤوس الحراب.. والغرض من هذه الإضافات هو منع التلاميذ أو بعضهم من الهروب من المدرسة، فالطالب عندما يرى كل تلك التدابير، فإنه لا شك سيُفكر ملياً في المجازفة، ولكن المفاجأة كانت بأن بعض الطلاب استطاعوا أن ينجح في اجتياز الأسوار الحصينة والأسلاك الشائكة والزجاج المبثوث على امتداد السور، ولم يأبهوا لقطرات الدم المتناثرة على ملابسهم … المهم هو أن مجموعة من الطلاب نجحوا في مغادرة المدرسة !!

أمام الصورة المرعبة أعلاه، وهي صورة حقيقية وليست من خيال الكاتب، فالكاتب يحكي من واقع شاهده بأمِّ عينيه وعاش تفاصيله، أمام تلك الصورة يحدثني زميل وتربوي قدير بأنه زار مدرسة في بريطانيا للاستفادة من تجربتهم في مجال التعليم وفوجئ بضخامة المدرسة، وبعدم وجود سور أو أي موانع تحول بين الطلاب وبين هروبهم أو تسربهم من المدرسة، وعندما سأل مدير المدرسة عن السبب، كانت المفاجأة في الإجابة : يقول مدير المدرسة البريطاني : لو حاول طالب الهروب فإن هذا مؤشر على أننا فاشلون في العملية التعليمية والأفضل في هذه الحالة أن نعتزل هذه المهمة؛ لأننا لسنا جديرين بها .

لن نقتصر على تشخيص الداء، بل سنعمل معاً على وصف الدواء من خلال تبادل الحديث حول الموضوع، والضغط على الجهات المسؤولة عن المؤسسات التعليمية بضرورة اتخاذ خطوات جادة في طريق إصلاح المنظومة التعليمية، والخطوة الأساسية هي وصف الداء بطريقة صحيحة، ليتم بعد ذلك وصف الدواء الناجع. فالتوصيف الخاطئ للمشكلات يدفع في اتجاه اعتماد معالجات خاطئة، كالسور المرتفع والأسلاك الشائكة، أو بث كاميرات المراقبة أو غيرها من المعالجات التي لا تفيد سوى في تفاقم المشكلة.

أود الإشارة إلى أن كل عمليات التحسين في المبني المدرسي والأثاث، وما يتعلق بالبيئة المدرسية وأنظمة الحوكمة ومصادر المعرفة لن تؤدي إلى نتائج ومخرجات تعليمية ذات جدوى في ظل نظام تعليمي تقليدي لا يساعد على التحوُّل الحقيقي إلى عالم المعرفة والمهارات وعالم التكنولوجيا. سأكون سعيداً بتعليقاتكم التي أرى فيها بأنها ستعيننا على تقديم مقترحات حلول يمكن أن تفيد في تجاوز هذه المشكلة.

أنظمتنا التعليمية التقليدية هي المشكلة