الحنين نافذة مفتوحة لماضي لن يعود !

الحنين نافذة مفتوحة لماضي لن يعود !

توفيق القرشي

إنه الحنين إلى الماضي الجميل الذي يشعرك بالطمأنينة والأمان، برغم أن الماضي في حياة الكثيرين لم يكن مفروشاً بالورود أوخالياً من المتاعب كما يتصوره أغلبنا ، فكلما يتقدم الإنسان بالعمر ويتسرب الشيب الى الرؤوس يدرك حقيقةً بأن الماضي جميل ويسظلٌُ دائما وأبداً محفورًا بمخيلتنا. إن كل مامضى من عمرنا لايمكن نسيانه، وسيظل ذلك الشعور لايفارقنا عندما نتذكر كيف كانت حياتنا اليومية مع الأهل والأقارب والأصدقاء في البيت والمدرسة والشارع والجامعة وكيف كانت أخلاق و عادات الناس وتقاليدهم ، وكيف تغيرت الآن واندثرت وتلاشت مع مرور الوقت بفعل التقدم التكنولوجي من جهة وبفعل الحروب والعمالة والخيانة من جهة أخرى.

إن الحنين إلى الماضي يثير في النفوس مشاعر مختلطة مابين السعادة والألم والشجون والحزن وأحيانا الندم .
كل منا يحن لماضيه، إلى الأماكن الخالية، إلى الأشخاص الذين فقدناهم، إلى زمن الطفولة البريئة، إلى أصدقاء الزمن الجميل، إلى العلاقات الإجتماعية القوية والعلاقات الحميمة مع الأهل والأقارب والجيران ، إلى بساطة الحياة وإلى التفاصيل الصغيرة المليئة بالحب والذكريات، وربما حنينُ إلى أنفسنا; شكلنا وملامحنا وأعمارنا وأحلامتا التي طوتها دفاتر الأيام; إنها السعادة الحقيقية والشعور بهذه اللحظات الجميلة التي أهدتنا إياها هذه الحياة لتهون علينا متاعب ومآسي الحاظر .

إن الحنين إلى الماضي له أساس سيكولوحي يطلق عليه علماء النفس “النوستالجيا” وقد اكتشفة العلماء مؤخراَ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ وأثبتوا أن الحنين إلى الماضي، من خلال إسترجاع ذكريات وأوقات مميزة في حياتك، أمر مهم للصحة العقلية لكل إنسان يقول الخبراء أن النوستالجيا هي آلية دفاع يستخدمها العقل لتحسين الحالة النفسية ولتحسين المزاج خاصة عندما نواجه صعوبات في التكيف وعند الشعور بالوحدة، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عند كبار السن، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية، فالنوستالجيا هي حالة نفسية يعيش فيها الناس لحظات ليستعيدوا حياتهم ويشعروا بقيمتهم، وهي من السبل الناجحة في صد الاكتئاب وقتيًا، فتشعر بأن حياتك البائسة كانت ذات قيمة يوما ما.

أظهرت دراسة أجرتها جامعة “ساري ” البريطانية في عام 2017، أن للتوستالجيا فوائد تتعلق بصحة الإنسان وتمنحه الشعور بالانتماء والرضى النفسي وأيضًا وجدوا بأن الحنين إلى الماضي يعطي شحنة إيجابية للدماغ على اعتبار أنه يتحكم بتحريك العواطف ،وأيضاً تمكنت هذه الدراسة من إثبات الفوائد الجسدية والعاطفية لأهمية العودة إلى الماضي وتذكر الأحداث الجميلة، والرغبة في الاستمرار بالعيش وخوض تجارب جديدة، وتعزيزاً لذلك من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الذي أثبت أن هناك علاقة كبيرة بين الناس والأماكن والتي غالبًا مايكون من الصعب وصفها لفضياً.

تقول كريستين باتشو الخبيرة في “النوستالجيا” (التوق الى الماضي) في مقال لها على موقع جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، إن الحنين إلى الماضي حلو ومرّ بطبيعته، لأنه يذكرك بالتغيير من جهة، ومدى ثراء حياتك من جهة أخرى.وتضيف باتشو أنه “عندما نشعر بالحزن أو الإحباط، قد يكون من دواعي السرور أن نتذكر أننا ما زلنا الشخص الذي كان سعيدًا وقويّا ومنتجًا”. لكن قد لا يشعر بعض الناس بالراحة عند التفكير في ماضيهم، وبدلًا من ذلك يجعلهم يشعرون بالاكتئاب”.

إنها حالة عاطفية يتم فيها استرجاع مشاعر عابرة ولحظات سعيدة من الذاكرة وطرد جميع اللحظات السلبية، وأن نسبة 80% من الناس يشعرون بالنوستالجيا مرة على الأقل أسبوعياً وخاصة نحن الذين نعيش في بلاد المهجر حيث تتفجر في اعماقنا براكين من الأحلام والذكريات والطموحات والبطولات والتضحيات حينما نقف عالقين في بلاد الغربه نتذكر الوطن وكل التفاصيل الصغيره داخل الوطن حتى الهواء والبحر والسماء والناس والشوارع والحواري والاسواق والازدحام ،رغم الألم المحترق في أحشائنا،رغم الحروب والدمار ،رغم الحصار الذي فتتنا وشتتنا في بعثرات الكون المنتشرة إلا أن الحنين هو الأكسجين الذي يطفئ دخان الظلام وحرقة الأيام التي افتقدناها عنوة. فبهذه التفاصيل التي احتوت أحلامنا ستخلد إلى الأبد وستعطي لأرواحنا البقاء في الحروف حينما نكتب كل الذكريات أو نبوح بها الى الهواء،تحتضن عمق مشاعرنا وترتعش بها أجسادنا حين تذكّرها.

لا شك أن التفكير بالماضي شيئ جميل ويمدنا بالسعادة والراحة ولكن بالمقابل قد يكمن الخطورة في إدمان إسترحاع ذكريات الماضي والتعمق والإسهاب بالتفكير والمبالغة باستخدام الحيل الدفاعية النفسية للتخلص من التوتر والألم النفسي وللبحث عن السعادة بشكل متكرر ودائم ، يعيق نموه فيصبح الانسحاب من الحاضر أسلوب حياة، ويصبح الفرد عاجزًا عن اتخاذ القرارات الصحيحة كلما واجهتة تحديات. يقول برترناد راسل في كتابه “الفوز بالسعادة” إن السعادة الحقيقية ليس بالهروب من الواقع ومآسيه إنما التحرر من تأثيره فينا وسيطرته علينا، ويقول أيضا السعادة هي دائمًا ما تكون في الحياة الواقعيه لأن الإفراط في التفكير بمسقبلنا يهدم لذة الاستمتاع بحاضرنا”.

استرجاع الماضي وذكرياته لايعني بأن كل إنسان يستمتع بذلك، فقد لا يشعر بعض الناس بالراحة عند التفكير في ماضيهم، وبدلاً من ذلك يجعلهم يشعرون بالإكتئاب،وهناك من الناس من يميلون إلى الشعور بالضيق أو الحزن وأحيانًا بإلاحباط عند تأمل الذكريات.
هناك دراسة قام بها مجموعة من الباحثين حول علاقة الحنين بالحزن والسعادة وتأثيره على مشاعر الناس، ونشرت هذة الدراسة في فبراير 2020في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology) .ووجدت هذه الدراسة أن الميل إلى الشعور بالحنين للماضي يرتبط بتجربة المشاعر السلبية والاكتئاب والندم، كما ترتبط المستويات الأعلى من الحنين بالبحث عن معنى للحياة،وكشفت الدراسة ايضا بأن الأشخاص الذين هم أكثر حنيناً وعشقاً إلى الماضي يميلون إلى الشعور بمشاعر وعواطف سلبية أكثر من أولئك الذين يصنفون أنفسهم على أنهم أقل حنيناً إلى الماضي، وتشير نتائج هذه الدراسة بأن الحنين إلى الماضي ينشأ من الشعور بالعزلة ويؤدي إلى مشاعر سلبية في المستقبل .ويقول الباحثون إن نتائج هذه الدراسة تختلف عن نتائج مثيلاتها السابقة التي تناولت الشوق إلى الماضي ووجدت أنه يجعل الناس يشعرون بالرضا.

ومع هذا فإننا نستطيع القول بأن الحنين إلى الماضي أو “النوستالجيا” قد يجلب السعادة مع الذكريات الجميلة ولكن تأثيره قد يكون سلبياً على الذين لديهم تجارب سيئة في الماضي، وبمعنى آخر إنه ليس دائمًا يجلب لك الشعور بالدفئ والغموض، فمن الطبيعي أن تشعر بالحزن أو بالانزعاج عندما تفكر في ذكريات معينة. الشيئ المهم الذي يجب أن نتذكره هو أنه من المستحيل العودة بالزمن إلى الوراء وتغيير ماضيك، لكن من الممكن تغيير الطريقة التي تفكر بها بشأنه .