لعنة الغربة …صفيح ساخن وحكايه لأوجاع لاتنتهي

لعنة الغربة ...صفيح ساخن وحكايه لأوجاع لاتنتهي
           توفيق القرشي

لعنة الغربة …صفيح ساخن وحكايه لأوجاع لاتنتهي

الغربة والبعد عن الأهل تجربة صعبة،قد عاشها الكثير مِنّا لكن بأشكالٍ مختلفة ولأسباب متعددة، فمِنا مَن وُلِدَ وَوَجَدَ نفسه في بلدٍ قد هاجر إليه الأهل بحْثا عَن فرصة عملٍ أفضل، ومِنا مَن يَجدُ نفسه مُجبرًا لترك البيت الدافئ الذي نشأ وترعرع به خاصة لمن يجبر على ذلك،ومِنّا مَن يكون في بلده ومع أهله ولكنه يشعر بغربةٍ قاتلة قد حاصرته مِن كل جوانب الحياة، من همومٍ ومشاكل وظلمٍ وهَضم للحقوق وعَدم مَنحِهِ الفرصة التي يستحق.

قديما كانت الهجرة إلى دول الإغتراب ظاهرة اجتماعية عائدة لظروف سياسية بشكل خاص. كتب الأديب عبدالملك الثعالبي في القرن العاشر الميلادي عن الغربة والارتحال عن الأوطان، في كتابه “اللطائف والظرائف” وقال فيه :
إذا النارُ ضاق بها زِندها ** ففسحتُها في فراقِ الزناد
إذا صارمٌ قرَّ في غِمْده ** حوى غيرهُ الفضلَ يوم الجِلادِ
وفي الاضطرابِ وفي الاغترابِ ** منالُ المنى وبلوغُ المرادِ.

أما اليوم فقد باتت جزءاً لاتتجزأ من حياة المجتمع العربي، وخاصةً تلك الدول التي لاتخلوا منها الصراعات ، حتى أصبح التفكير بالسفر إلى دولة الإغتراب هاجساً لدى العديد من الشباب العربي شباباُ كانوا أم فتيات ، البعض همّه الوحيد الابتعاد عن جوّ وطنه “الفوضوي” إلى حدٍ ما غير آبه بما سيقدّمه له البلد الآخر لدرجة أنّه بات المتعارف عليه لدى هؤلاء أنّ ذاك البلد هو الذي سيجد فيه “الجنة” حتى قبل الوصول إليه، والبعض الآخر يبحث عن آفاق جديدة سواء على صعيد العلم والعمل وتطوير ذاته وقدراته مع إدراكه للصعوبات التي ستواجهه هناك .

وفي كلتا الحالتين، يبقى السبب الأول والأخير للسفر هو الهروب من الواقع التعيس الذي فُرِصََ علينا وجعلنا مجبرين ومكرهين بأن نترك أرض الوطن و نهاجر هروباً من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقصادية التي عصفت بمنطقتنا العربية عامة وبلادنا اليمن خاصةً، وإرتفاع معدلات البطالة وتخفيض الأجور وإنقطاع الراتب وإنعدام الأمن والأمان، بات السفر واقعاً يفرض نفسه على كثير من الشباب، وباتت الغربة عن الوطن والأهل والديار أمراً محتوماً لظمان اسمترارية العيش، أو الحصول على فرصةٍ أفضلَ لتحسينِ مستواه قدر الإمكان بإعتبار أن الغربة هي خيار وحيد وحالة تصحبها تغيرات كثيرة فتنعكس على ذات الإنسان ليجد حظاً في الغربة، ومقاماً كريماً لم يجده في موطنه الأصلي. فعندما يشد الرحيل ويهاجر من وطنه، وتحطّ قدمَيه أرض البلد الذي توجّه إليه وانخرط حقّاً في تفاصيل حياته اليوميّة، وأمام الكم الهائل من العوامل والتحديات والعقبات التي سيواجها، وإن تجاوزها وهذا لايعني إنه سيهرب من ويلات الغربة ومن المشاعر التي ترافقها أشواق عارمة للأهل والوطن .

تختلف مشاعر الناس تجاه الغربة، فالبعض يرى فيها  النجاح والأمل والإبداع والتفاؤل، وتوسيع قاعدة المعارف، والتعرف إلى ثقافات مختلفة، وجني عوائد مالية مجزية من العمل، وكثيرون حققوا نجاحات في الغربة لم تكن لتتحقق لو ظلوا في أوطانهم، والبعض الأخر يرى فيها قسوة وألماً وحسرة وفراقاً للأحبة، وبُعداً عن الأوطان والديار والذكريات، هؤلاء يعتقدون أن خسائر الاغتراب كثيرة ويستدلون على أن بعض المغتربين يخسرون صحتهم، وبعضهم يخسر أسرته، وبعضهم يخسر حياته الاجتماعية، وبعضهم يخسر الكثير من الفرص في بلده سواء التعليمية أو الاستثمارية، وأكبر من ذلك هي خسارة المغترب لشبابه وحياته فيحرم نفسه من أشياء، ومن أمور كثيرة، ويؤجل الاستمتاع بها إنتظاراً للحظة العودة إلى الوطن للتمتع بها بحجة أن إقامته سنوات طوالاً في بلد الاغتراب مؤقتة!

من الصعب أن يعيش الإنسان غربته مع نفسه، فالغربة ليست غربة مكان وحسب بل هي غربة زمان، وغربة روح وجسد، مَنْ لم يَعِش الغربة لايمكن له أن يتحسس مفرداتها او أن يتخيل اللحظات الذاتية القاسية التي تنتاب صاحبها بل ولايمكن أن يفهم مايجري مهما بلغت التوصيفات والشرح والإسهاب، فإن لحظات الإغتراب كالإعصار تضرب كل جوارح الجسد وذرات الروح ، فمن يجرب الغربة تتغير نظرته للحياة، ويصبح الوطن أمامه أغلى ما عنده، لإنه أدرك قيمة وطنه بمجرد إغترابه، وعرف أنّ طعم المرّ في بلاده أزكى وأطيب من طعم العسل في بلاد الغربة.فآلام الغربة لايتحسسها إلا من يكابدها، ولايشعر بقسوتها، إلا من عاشها لحظة بلحظة، ولا يحسُّ بالألم إلا من تذوَّق مُرّ ضرباتهما.

إن غربة الأوطان وألم الفراق هما من أصعب الآلام ومن أشدها عصفاً للكيان الإنساني، فبعد النمو والألفة والتعايش والإندماج النفسي والعاطفي والفلسفي والاجتماعي والحضاري في بقعةٍ ما، نجد من الصعوبة بمكان أن تقلع النبتة لتغرسها في أرض أخرى وبمناخات وأجواء إجتماعية ومادية وفلسفية مختلفة، بحيث تجعل الكيان مُجبراً على التعايش والاندماج الإلزامي، وهذا ما يجعل النفس يعتريها العزوف في بعض الفضاءات الزمنية والمكانية. فمهما كان الوطن قاسيًا، ومهما فتحت البلاد الأخرى حضنها للناس، لكنها بكل تأكيد لن تكون أجمل من الوطن، فكل شى في الوطن له مذاق وطعم خاص وله نكهة جميلة، أما في الغربة فالأشياء تفقد طعمها ونكهتها، ويصبح النهار بلاشمس و الليل بلا قمرٍ ونجوم، والسماء بلا سحبٍ وغيوم، كل شيٍ يصبح أمامنا لامعنى ولاقيمةَ له، حتى السعادة تصبح مجرد كلمات لايمكن الإحساس بها.

في الغربه يقف الإنسان على صفيح ساخن يصرخ شوقاً على أرض تركها منذ سنوات، متذكراً أحبابة وأصدقائه وعائلته، مستحضراً ملامح الوجوه وروائح الأمكنة وكل ذكرياته، وأشواقه التي لاتنضب، فيذرف أمامها الدموع ، علها تَخمِدُ ببرودتها حرقة الأشتياق حينما يشتدان بأروقة القلب..يقول الشاعر ميشال جحا :
بكيت وهل بكاء القلب يجدي
فراقُ أحبتي وحنينُ وجدي
فما معنى الحياة؟ إذا إفترقنا
فهل يُجدي النحيبُ فلستُ أدري
فلا التذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشوقُ تتركني لنومي
فراقُ أحبتي ..كم هزّ وجدي
وحتى لقائهم سأضل أبكي .

ويقول الشاعر المبرّد:

جِسْــــمِي مَعِي غَيْـرَ أَنَّ الــرُّوحَ عِنْدَكُمُ .. فَالْجِسْــمُ فِي غُرْبَـةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَــنِ

فَلْيَعْجَــبِ النَّـــــاسُ مِنِّـي أَنَّ لِــي بَدَنًـا .. لا رُوحَ فِيـــهِ وَلِـــي رُوحٌ بِــــــلا بَـــــدَنِ

خلال هذه الرحلة وجراحات الغربة، وهذه المحطة العُمْرية الزمنية التي نقضيها في الغربة، لابد للسنين ان تمرُّ بها، والعمر يبدأ بالرحيل رويداً رويداً الى عالم مجهول، وأشد العوالم قسوة هو عالم تقدم العمر، وخاصة اذا لم تتحقق كل الاحلام بعد، فإن لم يستطع الإنسان التكيف مع الوضع الذي هو فيه ومواجة الصعاب والتغلب عليها ستحوله إلى مجرّد إنسان فارغ من الداخل، لا يعرف ماذا يُريد، ولا يجد في غربته إلا الألم والشقاء، لهذا إن أراد الإنسان الذهاب في غربته باختياره، عليه أن يملك قدرة التأقلم مع غربته دون أي تذمر أو شكوى وتذكر دائماً أن كل شيء سيتحسن مع مرور الوقت، وتذكر دائما أن الغربة ستبقى غربة فيها حكايات وقصص وكل قصة لها طقوس ومزبج من مشاعر مختلطة من صوريملؤها الحنين وصور يملؤها البكاء وبينهما صور تقتربان لدرجة التشابك، تتشابك فيها الأيام وتفاصيلها، فيشارك فيهما الوجع بقطراته، والفرح بضحكاته، حتى تكتمل سرد الحكاية بفاجعة يتم إدراكها على مراحل، ولايستكمل الوعي بها إلا بانغلاق ذلك التابوت على سؤل لطالما لم يكن له إجابة.