تتداعى الصور إلى الذاكرة وتعود الكلمات إلى الأذهان، وتستقر في محطات كثيرة

طريق العودة إلى الوطن ..عشق دائم وحكاية لمكان شمسه لاتغيب

          توفيق القرشي

تتداعى الصور إلى الذاكرة وتعود الكلمات إلى الأذهان، وتستقر في محطات كثيرة، لتعيد إلى أنفسنا ذكريات كثيرة تعبر عن دفء مكان لا يزال يحيا في الوجدان، يستدعيه الروح ويستقبله العقل، ويطيب بذكره اللسان، من آن إلى آخر.
رائحة الذكريات دائما ما تلتصق بكل الأماكن التي زارت قدماك موطناً من مواطنها، فكلما هبت نسمةٌ منها على خاطرك تتهيج لها أنفاسك فتشعر أنك تتقلبُ على جمرها الملتهب، وتكون الحياة أكثر قسوة عليك حين يقطع الزمانُ طريق أمسه عن غده، فتعيش في الماضي، مكتفياً به، فلا تعي إهتمامك للحاضر، ولا تفكر في المسقبل، وإن كانت مؤلمة تبقى لها رونق ومعنى خاص تأخذك لعالم جميل تتذكر فيها أجمل اللحظات، فقد تجمعك الدنيا بأشخاص أو تمر بأماكن لم تكن تعيرها أي إهتمام، فعندما تبتعد عنها تشعر بقيمتها،فتعيش على أمل أن تعود من جديد.

لا شك أن حبنا لبعض الأماكن وارتباطنا بها مقروناً بذكرياتنا التي نسجت نفسها فيها، وبعثت فيها الروح، وجعلتها حية في عقولنا، فتسرد لنا تفاصيل كل ما مضى، وهذا أبو تمام يقول:
“كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى.. وحنينُه أبداً لأوّلِ منزلِ.
فالحب للمكان هو شعور وأحاسيس تأتي تلقائياً من ذات المكان الذي لمسته بيديك وداست أصابعك في أفقه ليتحسس شفق الشمس قبل الغروب.

لاأنكرُ بأن البعد أتعبني، وأن الشوق إلى وطني وإلي محافظتي وإلى قريتي التي جالت ذكراها في نفسي أضناني، وزارت حنايا قلبي، وفاضت بحار الحنين حروفاً وكلمات، سأظل أسيراً للماضي وامتدادي القديم، فلن أنسى مهما تناسيت أنني من هناك أتيت، وفي تلك القرية نشأت، وفيها ولد عشقي العظيم الذي يؤرجحني نحو الحنين الذي ينزف كلما لمحتُ فيها إسمها، أو أتى أحداً بسيرتها، تتسارع نبضات قلبي، ويكتم الصمت أنفاسي، فيلتغي بمقامها كل الكلام.

كم من مُدُنٍ وقرى عبرتها في مسيرة حياتي الطويلة ومع ذلك لا مدينة ولا قرية في الدنيا سكنت قلبي كما فعلت معي قريتي ، فكل مدن الدنيا على عظمتها فشلت في إقناعي بحبها، فتبقى قريتُي هي المكان الأقرب إلى الذات في أصفى حالاتها التي تبدو لي في أجمل الحالات بأنها أجمل مكان فوق الأرض، فتعجزُ الكلماتُ عن التعبير عما يدور بداخلي من وصفِ ما يربطني بها من مشاعرَ وأحاسيس، أحاول أن أبحث لعل البحث يجعلني أدرك كلماتي التائهة التي أبحث عنها، ثم أعود فيمتلكني الخوف من أن أعجز عن إيجاد الكلمات التي تستحق أن أرسمها، أو أنتقي من مفردات اللغة عبارات يستطيع الشعر أن يترجمها طرباًوفناًولحنا.

أي عشقِ هذا الذي أرتشف من كأس أشواقه أقصى عبارات الوجع، حينما أشرد بذاكرتي وأجمع بداخلي شتات الروح، وأبتعد عن رائحة التراب الذي مازال يحتفظ ببصمات قدمي الحافيتين، وهما يمرحان فوق الأرض، أحس بأن هناك بكاء مكتوم بقلبي، أحس أن ثمة أشياء بداخلي تحترق، عندما أتذكر قصصها الشيقة وحكاياتها القديمة وصباحاتها التي تسردها أقصوصة الحي وتمتمات الجيران الطيبين الذين يأخذون بداية الطيب من حكاية الزمن الجميل ومن رائحة الخبز الشهي الممزوجة مع دخان الحطب المحترق التي تشعلها الأمهات في كل بيوت القريه، وشهقة تعيدني إلى سماء الأفق البعيد، إنها أقصوصةُ العشق التي تأخذني للمكان الذي ولدت ونشأت وترعرت فيه، تنازعني نفسي لذلك الماضي الجميل، لذكريات الطفولة وأيام الشباب، ولزوايا جبالها وشعابها ووديانها، للأهل والأصدقاء، ولجلسات هادئة مع ليل طويل، أترقب النجوم، وأسبح في خيالي بين الغيوم، فأجر آلامي وأحلامي المنسية، وأسرد للظلام حكايات العشق الخرافي.

هناك دافع يأتي من لا إرادة يقودك إلى الشعور بالحب والتوق الى العودة الى وطنك الى قريتك، وإن ظننت أنك غادرتها ولن تعود، وحتى إن غمرتك الحياة بنصيب وافر من الترف وعلو المكانه، وتغيرت حياتك وأصبح كل من يراك لا يعرفك، لكنك أنت وفي قرارة نفسك أنك ستعود الى قريتك لإن هناك إرتباط يأسرك ويجعلك تنفلت معه لتعود، وستظل تفكر وتفكر بأنك ستعود، وتعيش لحظات الوداع بذات الإحساس القاسي الذي يلتهمك بطوفان من الخوف والجنون بأن لاتراها من جديد، وتخشى على نفسك أن تتوه فى بلادٍ غريبة ليست بلادك، ويكون وداعك هذا لها الأخير، فلا تعود كما لم يعد الكثيرون! شعورٌ ما بداخلك يحكي لها عن وفائك وأشواقك وأنها الأولى التي لن يحل مكانها كائن، وأنها الأخيرة التي لن يأتي بعدها شيء؛ فتبكي من الداخل على مكان غاب شموسها عنك،

سأعود يوما إلى قريتي التي غادرتها على أملٍ أن أجدها تنتظرني بذات الشوق وبذات الحكاية التي لا أشبع من ترديدها، سأعود إليها فأعظ شفتي وأفرك أصابعي وأطلق إبتسامتي، فأتوقف وأتسائل مازال كل شيء على حالة ! مازالت تحتفظ بقالبها الأول وطابعها القديم، وصورتها الأولى، شكل المنازل والطرقات، والسوق ووجوه الناس والجيران مازالوا هم الجيران الذين خضنا معهم حكايات طويله، مازالوا هم من كنت أصادفهم يومياً ولم يغيرهم شيء، أخاف أن أواجه ذاكرتي بواقع مناقض لها، فأستطدم بواقع جديد لم أعهدة ولم أعشة منذ سنين، لا أريد أن يتحطم بعدها كل شيء بداخلي، ما يخيفني هو ليس ألا يعرفني الناس هناك، بل أخاف أن لا أعرف أنا تلك القريه وقد طالها التغير والحداثة وكثر البناء وأنتشرت البيوت وأزدحم الناس وتوسع السوق وتغيرت أزقته ومداخله، إن أصعب شيء على الاطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مختلف ومناقض لتوقعاتك، وأصعب من ذلك أيضاً مواجهة توقعاتك بصدمة ثقافية، وصعوبة في فهم الطريقة التي تسير بها الأمور في بلادك التي غادرتها منذ وقت طويل، الأمور تغيرت، والأهل منهم من شاب ومنهم من غيبه الموت دون أن يمهلك الزمن ولو فرصة أخيرة لوداعهم، والأحبة قد يشعروك بأنك منسي وغريب لطول سنوات الجفاء والبعد، والأصدقاء لم تعرف لهم طريق منهم من إنتقل إلى مكان أخر، ومنهم من ترك موطنه وغادر ورحل، هكذا ستكون العودة كاسراً لكل حواجز الإعتقاد بأن الأمور ستظل كما هي لن تتغير.